فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 462

غير نَظَر إلى الرجال [1] . وكان قد دعا إلى تمحيص الأقوال واختبارِها من غير تعصُّب لأحدها في مقدّمة كتابه (الذخيرة) ، قائلًا: «وقد آثَرْتُ التنبيهَ على مذاهِبِ المخالفينَ لنا من الأئمّة الثلاثةِ - رحمهم اللهُ -، ومآخِذِهم في كثير من المسائل، تكميلًا للفائدة، ومَزيدًا في الاطلاع؛ فإنَّ الحقَّ ليس محصورًا في جهة، فيعلم الفقيهُ أيٌّ المذهبَيْنِ أقربُ للتقوى، وأعْلَقُ بالسَّبب الأقوى.» [2] .

وهو - وإن كان أشعريَّ العقيدة - يختارُ - أحيانا - ما يخالِفُ قول الأشاعرة [3] ؛ ومثال ذلك: اختيارُهُ أنَّهُ لا يمكنُ تحريمُ واحِدٍ لا بِعَيْنِهِ؛ إذ قال: «والحَقُّ في هذا ما نَسَبَهُ [4] للمعتزلة، دونَ ما نَسَبَهُ لأصحابنا» [5] .

وتجلَّتْ نزعتُهُ الاجتهاديّة في أُصول الفقه أيضًا؛ كما في اجتهادِهِ في القول بالفرق بينَ الشَّرْط وعَدَم المانعِ الأُصوليَّيْنِ، وهو ما لم يُنَبِّهْ عليه أحد قبل القرافيّ [6] .

فاجتهاد القرافيّ إذًا في استنباط أوجُهِ الفروق اللّغويّة، لم يكن بدعًا من القول، ولا خروجًا عن المعهود من سياقاتِهِ العلميّة في مؤلَّفاته. ومن أبرز الأمثلة التي تُظْهِرُ نزوعَه الاجتهاديَّ في الفروق اللّغويّة في (الاستغناء) : ما ذَكَره من الفرق بينَ الاستثناء من غير الجنس، والاستثناء المنقطع [7] ، مخالفًا بذلك جمهورَ النّحاة والأُصوليينَ الذين لم يفرقوا بينَهما في الكلام على الاستثناء. وبناءً على ما ذَهَبَ إليه القرافيّ يكون الاستثناء المنقطع أعمّ من الاستثناء من غير الجنس، ويكون بينهما عموم وخصوص مُطْلق؛ فكلّ استثناءٍ من غير الجنس هو منقطع، ولكنَّه قد يكون منقطعًا وليسَ من غير الجنسِ، على ما سيأتي تفصيلُ القول فيهِ إن شاءَ اللهُ تعالى في فَرْقٍ خاصّ به.

(1) ينظر: مقدّمة تحقيق أنوار البروق في أنواء الفروق: 1/ 32.

(2) الذّخيرة: 1/ 37 - 38.

(3) ينظر: شهاب الدّين القرافيّ حياتُهُ وآراؤه الأُصوليّة: 34.

(4) أيّ الآمدي (631 هـ) .

(5) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 1/ 274.

(6) ينظر: شهاب الدّين القرافيّ حياتُهُ وآراؤه الأُصوليّة: 93.

(7) ينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء: 382 - 385، و: العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 2/ 197 - 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت