فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 462

وقد توسَّعْتُ في هذا الموضع، لأنّي رأيتُ بعض علمائنا المعاصرينَ يُنكر على القدماء قولَهم باختصاص كلّ من (إن) و (إذا) بأصل معيّن تجيء على وَفقه؛ إذ قال الدكتور مهدي المخزوميّ: «أمَّا ما ذهب إليه الخَطيبُ في إيضاحه من أنَّ الأصل في (إن) ألاّ يكون الشّرط فيه مقطوعًا بوقوعه، وأنَّ الأصل في (إذا) أن يكون الشّرط فيها مقطوعًا بوقوعه، ... ففيه مِنْ تحميلٍ لهذا الأسلوبِ ما لا يحتملُ» [1] ، وَذَكَرَ في موضع آخَرَ أنَّ « (إن) و (إذا) تُسْتَعْمَلاَنِ فيما يُحتَمَلُ تَحَقُّقُهُ، وعدمُ تحقّقِهِ، لا ترجيحَ لأحدِهِما على الآخَرِ.» [2] .

وهذا الكلام فيه تجاهل لما قاله علماء النّحو والبلاغة والأُصول في تأصيل الفرق في استعمال هاتين الأداتين، وهو تأصيلٌ يستند - أوَّلَ ما يَسْتَنِدُ - إلى استعمال القرآن لهما، ولاسيّما في الآيات التي اجتمعت فيها (إن) و (إذا) معًا [3] ؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيّرُوا بِمُوسَى} (الأعراف: 131) ؛ «فجيءَ بـ (إذا) في جانب الحَسَنَةِ، وبـ (إن) في جانب السّيّئة؛ لأنَّ المرادَ بالحسنَةِ جِنْسُ الحَسَنةِ، ولهذا عُرِّفَتْ، وحصولُ الحَسَنَةِ المطلقة مقطوعٌ به، فاقتضَتِ البلاغةُ التّعبيرَ بـ (إذا) ، وجيءَ بـ (إن) في جانب السّيّئة؛ لأنّها نادرةٌ بالنّسبةِ إلى الحَسَنَةِ المطلقةِ؛ كالمرضِ بالنّسبةِ إلى الصِّحَّةِ، والخوفِ بالنّسبةِ إلى الأمن.» [4] .

ب. الفرق بين:(كُلَّما)، و(مَتَى ما)، و(أيْنَما)، و(حَيْثُما):-

قال القرافيّ: «الفرق بين (كُلَّما) و (متى ما) و (أينما) و (حيثما) : أنَّ (ما) في الجميع زَمانيّة؛ فمعنى قوله: كُلَّما دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ طالق: كلّ زمانٍ تدخلينَ الدّارَ فأنتِ طالق في ذلك الزّمان، فجعل جميع الأزمنة كلّ فرد منها ظرفًا لحصولِ طَلْقَةٍ، فيتكرّر الطّلاق في تلك الظّروف توفيةً باللّفظ ومقتضاه حتّى يحصلَ في كلّ زمان

(1) في النّحو العربيّ نقد وتوجيه: 295 - 296.

(2) في النّحو العربيّ قواعد وتطبيق: 41.

(3) ينظر: مقال: الشّرط بـ (إن) و (إذا) في القرآن الكريم.

(4) البرهان في علوم القرآن: 4/ 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت