وعلى ذلك قول الأنصار [1] رضي الله تعالى عنهم للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقد قال لهم: «أَلَسْتُم تَرَوْنَ لهم ذلك» : (نَعَمْ) .» [2] .
وأوضح السُّهَيليُّ (581 هـ) هذا المعنى بذكره أنَّهُ لا يمتنع أن يُجابَ بـ (نَعَمْ) بعد الاستفهام من النّفي، لا بهدف تصديق النّفي، ولكن من باب تحقيق الإيجاب الذي في نفس المتكلِّم؛ لأنَّ المتكلِّم إذا قال لمن رآه يشرب الخمر مُنْكِرًا عليه: أليست الخمرُ حرامًا؟، فهو في الحقيقة لم يستفهمه، وإنّما يقرِّر تحريمها، ويوبِّخه على شربها، فإذا فهم مراده بقرينة، وأنَّه يعتقد تحريمها، جاز أن يُجابَ بـ (نَعَمْ) ، تصديقًا لمعتقده، دون التفات إلى لفظ النفي، لأنّه غير نافٍ في الحقيقة [3] .
ومع تجويز السّهيليِّ الجوابَ بـ (نَعَمْ) في مثل هذه الحالة، يرى أنَّ أكثر العرب على خلاف هذا؛ لأنَّهم يرون مراعاة اللّفظ أولى، لأنّه الظّاهر المسموع، أمَّا اعتقاد المتكلِّم فهو خَفِيٌّ، وقد لا يَفْهَم بعض السّامعين القرينة، ويرى أنَّ القرآن نطق بهذا في قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ؛ فلم يقولوا: نَعَمْ، وإن كان الكلام ليس باستفهام على الحقيقة، بل هو تقرير على إثبات [4] ، أي: كأنَّ المعنى في قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} : أنا ربّكم، والجواب على هذه الأخيرة بـ (نعم) ليسَ كفرًا [5] .
قال القرافيّ: «إذا قلتَ: سَيقومُ زيدٌ، و: سوفَ يقومُ عمرٌو، كان قيامُ زيدٍ قبلَ قيامِ عمرٍو، وعمرٌو بَعْدَه؛ لأنَّ (سَوْفَ) أكثرُ تنفيسًا من السّين.» [6] .
وكون (سوف) أكثرَ تنفيسًا من السّين: قضيةٌ خلافيّة بين العلماء؛ فقد «ذهب البصريّون إلى أنَّ مدّة الاستقبال معها أوسعُ من السّين» [7] ، «ومِمَّن صَرَّحَ
(1) روى هذا الحديثَ أبو داود (275 هـ) في سننه (الحديث رقم 4812) ، والترمذيّ (279 هـ) في جامعه (الحديث رقم 2487) ، ولكن من غير وجود الشاهد الذي ذكره ابن هشام.
(2) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 652.
(3) ينظر: أمالي السّهيليّ: 45 - 46.
(4) ينظر: أمالي السّهيليّ: 46.
(5) ينظر: الفروق اللّغويّة وأثرها في تفسير القرآن الكريم: 296.
(6) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق بين قاعدتي التّرتيب بالأدوات اللّفظيّة، والتّرتيب بالحقيقة الزّمانيّة) : 1/ 228.
(7) الأشباه والنّظائر في النّحو: 4/ 106.