فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 462

بالتفاوت بينهما الزّمخشريّ، وابن الخشّاب في شرح الجمل، وابن يعيش، وابن أبان، وابن بابشاذ، وابن عصفور، وغيرهم.» [1] . ومَنَعَ ابنُ مالك (672 هـ) كون التراخي في (سوفَ) أكثرَ؛ ووصَفَ القولَ بذلك بأنَّهُ «دعوى مردودةٌ بالقياس والسّماع؛ فالقياس: أنَّ الماضي والمستقبَل متقابلانِ، والماضي لا يُقْصَد به إلا مُطْلَقُ المضيّ دون تعرّض لقُرب الزّمان وبُعدِهِ، فينبغي ألاّ يُقْصَدَ بالمستَقْبَل إلاّ مطلقُ الاستقبال، دون تعرّض لقرب الزّمان وبُعْدِهِ، ليجريَ المتقابلان على سَنَنٍ واحدٍ، والقولُ بتوافق (سَيَفعل) و (سوف يفعلُ) مصحِّحٌ لذلك، فكان المصيرُ إليه أولى، وهذا قياس. وأمَّا السّماع؛ فإنَّ العرب عَبَّرَت بـ (سيفعل) و (سوف يفعل) عن المعنى الواحد الواقع في وقت واحد، فَصَحَّ بذلك توافقهما وعدمُ تخالفِهِما؛ فمن ذلك قوله تعالى: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (النّساء: 146) ، وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} (النّساء: 175) ، وقوله تعالى: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} (النبأ: 4) ، و {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (التّكاثر: 3) ، ومنه قول الشّاعر:-

وما حالةٌ إلاّ سَيُصْرَفُ حالُها ... إلى حالةٍ أُخرى وسوفَ تَزُولُ

فهذا كلّه صريح في توافق (سيفعل) و (سوف يفعل) في الدّلالة على مطلق الاستقبال، دون تفاوت في قرب وبُعد، إلاّ أنَّ (سيفعل) أخفُّ، فكان استعمالُها أكثر.» [2] .

وتبنّى هذا الرأيَ ابنُ هشام (761 هـ) أيضًا؛ فَذَكَرَ عن السّين أنَّهُ ليس «الاستقبالُ معه أضيقَ منها مع (سوف) ، خلافًا للبصريّين» [3] ، ثم عَلَّلَ قولَ المخالفينَ بقوله: «وكأنّ القائلَ بذلك نَظَرَ إلى أنَّ كثرة الحروف تدلّ على كثرة المعنى، وليس بمطَّرِد.» [4] .

(1) البرهان في علوم القرآن: 4/ 282.

(2) شرح التّسهيل: 1/ 26 - 27.

(3) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 275.

(4) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت