والعمل لا يكون إلا بفكر، لتوسّط فاعله. وَالصُّنع أخصّ المعاني الثّلاثة، والفعل أعمها، والعَمَل أوسطها؛ فكل صنع عملٌ، وليس كلّ عملٍ صنعًا، وكل عملٍ فعلٌ، وليس كلّ فعلٍ عملًا. وفارِسِيَّةُ هذه الألفاظِ تُنْبئ عن الفرق بينها؛ فإنَّهُ قيلَ للفِعل: (كار) ، ولِلعَمَل: (كردار) ، وللصُّنْع: (كنش) .» [1] . وثَمَّةَ حالة أسلوبيّة قرآنيّة تؤكدّ الفرق الدّلاليّ بين (عَمِلَ) و (فَعَل) ؛ فمن اللافت للنظر أنَّ مادّة (عمل) - على كثرة مجيئها في القرآن - «لم يأتِ منها موضع واحد أُسندت فيه إلى اسم الجلالة ... وإنّما جاءت مُسْنَدةً إليه بواسطة (الأيدي) في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ ممّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} (يس: 71) » [2] ، على حين جاءت مادّة (فعل) «مسندةً إلى الله ... على ضربين؛ الأوّل: التمدّح بجلال الله: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} (الحج: 18) ؛ الثاني: التهديد والاعتبار: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} (المرسلات: 18) » [3] ، والسّبب في ذلك - والله أعلم - أنَّ العَمَلَ - كما سبق ذكره - «يحتاج إلى تفكّر، ومقارنة بين الفعل والترك، وتقليب النّظر في صوره، واختيار ما يَهدي إليه النظرُ فيها، والله سبحانه لا يخفى عليه شيء، ولا تلتبس عليه الأُمور.» [4] ، وأمَّا الفِعْلُ، فقد أُسْنِدَ إلى الله مَرّاتٍ لانتفاء الموانع التي لوحظتْ في (عَمِلَ) ؛ فالفعلُ لا يحتاج إلى تفكير وطول نظر [5] .
قال القرافيّ: «قال اليهود والنصارى: ممّا يُسْتَدْرَك على المسلمين: ما في كتابهم من جَعْلِ مريم رضي الله عنها أُختَ هارونَ - عليه السلام -، وبينهما ستمائةِ سنةٍ، فلا تكون أختَهُ، فكيف يُخْبِرُ كتابُهم بأنّها أختُهُ؟. والجواب من وجهين؛ أحدهما: أنَّهُ رُوي
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة: 418.
(2) دراسات جديدة في إعجاز القرآن: 13.
(3) دراسات جديدة في إعجاز القرآن: 133.
(4) دراسات جديدة في إعجاز القرآن: 131.
(5) ينظر: دراسات جديدة في إعجاز القرآن: 135.