العبدَ يَضِلُّ من قِبَلِ نفسه، فهذا ما لا ينبغي - في ظنّي - لا أن يُجْزَمَ بِهِ قَبْلَ أن يُسْتَقْرى ما جاء من آيات في هذا الشّأن؛ ففي القرآن الكثيرُ من الآياتِ التي تَنْسِبُ الضلالَ إلى الإنسانِ، في مقابِلِ أُخرى تَنْسِبُ الإضْلالَ إلى الله تعالى، فالواجب هو السّعيُ في الجمع بين دلالات هذه الآيات لا أن يُضْرَبَ بعضُها ببعضٍ. ومن الآيات التي تنسِبُ الضّلالَ إلى العبدِ قولُهُ تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} (النّساء: 116) ، و: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (المائدة: 105) ، و: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} (يونس: 108) ، وغيرها كثير. أمَّا الآيات التي تنسِب الإضلالَ إلى الله تعالى؛ فمنها: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} (النّساء: 88) ، و: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} (الرّوم: 29) . وقد أرشَدَ تعالى إلى الجمع بين الأمرين في قوله: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: 29 - 30) ؛ فبَيَّنَ أنَّ للإنسان مشيئةً، لكنّها لا تَخْرُجُ عن إطار مشيئتِهِ سبحانَه.
وممّا ينبغي أن يشارَ إليه أيضًا أنَّ هذه القراءةَ رُوِيَتْ عن ابنِ مسعودٍ أيضًا [1] . فمن أجل ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، قال بعضُ أهل العلم عن هذه القراءة إنَّها «متّجهَةٌ، لولا مخالفَتُها خَطَّ المصحفِ المجمع عليه» [2] ، وذُكِرَتْ عند ابن خالويه (370 هـ) [3] ، وعند أبي البقاء العكبريّ (616 هـ) [4] .
قال القرافيّ: «قال الرّمّانيّ في (شرح الأُصول) : ... قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} (النّساء: 95) يجوز الرّفعُ على الصّفة للقاعدين، والنّصبُ على الاستثناءِ، والجرُّ على صفة المؤمنين. قلتُ: هذه الآية من
(1) ينظر: معجم القراءات: 1/ 69.
(2) معجم القراءات: 1/ 69.
(3) ينظر: مختصر في شواذّ القرآن: 4.
(4) ينظر: إعراب القراءات الشّواذّ: 1/ 142.