قال القرافيّ: «قد أشْكَلَ على بعضهم الزّمانيّة [1] بالمصدريّة، لأنَّ كلَّ واحدة منهما ما بَعْدَها إلاّ الفِعْلُ، وكلاهما يُقَدَّرُ بالمصدر، وكلاهما لا يَظْهَرُ فيه إعرابٌ يميّز بينهما. والفرق بينهما: أنَّ الزّمانيّة إذا أُضيف إليها اسمٌ تَعَيَّنَ نَصْبُهُ على الظرف، والمصدريّة إذا أُضيفَ إليها لا يتعيّن نَصْبُهُ، بل تجري عليه أحكامُ العوامل؛ تقول في الزّمانيّة: آتيكَ كُلَّما طَرَدَ اللّيلُ النّهارَ، بنصب (كلّ) ليس إلاّ على الظّرف، وتقول في المصدريّة: أعجبني كلّ ما صنعتَ، برفع (كلّ) على الفاعليّة، والتّقدير: أعجبني كلّ صنيعك، وعجبتُ من كلّ ما صنعتَ، وأحببتُ كلّ ما صنعتَ، فيختلف إعراب (كلّ) معها، بخلاف الزّمانيّة النّصب ليس إلاّ، فبهذا يظهر التّغاير بينهما.» [2] .
-المُعَرَّف بـ (ال) :-
و. الفرق بين: (ال) الجنسيّة، و (ال) العهديّة:-
قال القرافيّ: «اللام في لسان العرب تكون لاستغراق الجنس؛ نحو: حَرَّمَ اللهُ الخنزير، والظلم، وللعهد؛ نحو قولك لمن رآكَ أهَنْتَ رجلًا: أكرمْتُ الرّجلَ بعد إهانتِهِ ... فتُحْمَل في كلّ مكان على حَسَبِ ما يَليقُ بها؛ فهي في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه} (البقرة: 2) للعَهد؛ لأنَّه موعودٌ به، مذكورٌ على ألسنة الأنبياء عليهم السّلام، فصار معلومًا، فأُشيرَ إليه بلام العهد، وهي في قوله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ} (آل عمران: 184) للجنس؛ إشارةً إلى جميع الكتب المنزلة المتقدّمة، وليس المراد هاهنا غيرَ ذلك، ولا يمكن أن يَفْهَم القرآنَ الكريمَ إلا مَنْ فَهِمَ لسانَ العرب فهمًا متقنًا.» [3] .
لقد فَرقَ القرافيّ بين قسمي (ال) التّعريفيّة بذكر مثال لكل واحد منهما، ولم يتطرّق إلى تعريفهما، ولا إلى ما يجتمعانِ عليهِ، وما يفترقان فيه. وقد فَعَلَ ذلك المُرادِيُّ (749 هـ) [4] ؛ إذ عَرَّفَهُما وضَرَبَ لهما الأمثلة، بقوله: «فالعهديّة هي التي عُهِدَ مصحوبُها؛ بتقدّم ذكره، نحو: جاءَني رجلٌ، فأكرمتُ الرجلَ؛ أو بحضوره: حِسًّا، كقولك لمن سَدَّد سَهْمًا: القرطاسَ؛ أو عِلمًا، كقوله تعالى: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}
(1) أي (ما) .
(2) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم (في سرد صيغ العموم الدّالة بالوضع الأوّل على العموم لغةً) : 1/ 383 - 385.
(3) الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة: 40.
(4) هو الحَسَن بن قاسم بن عبد الله بن عَليّ المراديّ المصريّ المولد الآسفيّ المحْتِد، النّحويّ اللُّغويّ الفقيه، بدر الدّين المعروف بابن أمّ قاسم. بَرَعَ في العربيّة، والفقه، والأُصول، والقراءات. من أهم كتبه: شرح التّسهيل، وشرح المُفصّل، والجَنى الدّاني في حروف المعاني. (ينظر: بغية الوعاة: 1/ 517) .