إياه في الوقت نفسه؛ فإنَّ العقلَ حالةٌ تَعْرِضُ لهذه العمومات. وبهذه الطريقة تمكّن القرافيّ من الجمع بين قول النّحاةِ إنَّ (ما) لما لا يَعْقِل، وصحّةِ سؤال ابن الزّبعرى؛ فالملائكةُ والمسيحُ يمكنُ اندراجها في (المعبوديّة) ، ولكنّ الأخيرةَ لا تستلزمُ الملائكةَ والمسيحَ. وهذه طريقة بارعة في الجمع، والتفاتة ذكية، عهدناها عندَ القرافيّ الذي مَثَّل تراثُهُ انصهارَ عِلْمَي النّحو والأُصول في بوتقة واحدة.
على أنّي أرى في نَصّ الكثير من النّحويّين على أنَّ (ما) لما لا يَعْقِل ولصفاتِ من يَعْقِل اقترابًا من هذا المعنى؛ قال المُبَرّد (285 هـ) : « (ما) إنّما هي لذات غير الآدميّينَ، وصفاتِ الآدميّين؛ ألا ترى أنّك تقول: ما عندك؟، فتقول: فرس، أو حمار، ولو قلت: مَنْ عندك؟، لقال: زيد، أو عمرو. والصّفات للآدميّين التي تقع عليها (ما) فهي نحو قولك: عندي زيدٌ، فأقول: وما زيدٌ؟، فيكون جوابه: طويل، أو قصير، أو شريف، أو وضيع. وإنّما أجَزْناه على بُعدٍ، لأنَّ الصّفة قد تحل مَحَلَّ الموصوف؛ تقول: مررتُ بالعاقل، وجاءَني الظريف.» [1] . فإذا ما اقترنت (ما) بما يَعْقِلُ أو يَعْلَم، فليس المرادُ استدعاءَ ذاتِ العاقلِ؛ إذ لو كان المراد ذلك لأُتِيَ بـ (مَنْ) الموضوعة لذلك، ولكنّ المراد استدعاء صفة العاقل ووصفه؛ قال ابن قيّم الجوزيّة (751 هـ) مبيّنًا ذلك عند كلامه على قوله تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} (الكافرون: 3) ، وسَبَبِ مجيءِ (ما) هنا مكانَ (مَنْ) :- «إنَّ المقصود هنا ذَكَرَ المعبودِ الموصوفِ بكونه أهلًا للعبادة مستحقًّا لها؛ فأتى بـ (ما) الدّالّة على هذا المعنى، كأنّه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنَّهُ المعبود الحقّ. ولو أتى بلفظة (مَنْ) لكانت إنّما تدلّ على الذّات فقط، ويكون ذَكَرَ الصّلة تعريفًا لا أنَّهُ هو جهة العبادة؛ فَفَرْقٌ بين أنَّ كونَه تعالى أهلًا لأنْ يُعْبَد تعريفٌ محض، أو وصفٌ مقتضٍ لعبادته، فتأمّله فإنَّهُ بديع جدًّا، وهذا معنى قول محقِّقي النّحاة: إنَّ (ما) تأتي لصفات مَن يَعْلَم، ... وهو من ألطف مسالك العربيّة.» [2] .
(1) المقتضب: 4/ 185.
(2) بدائع الفوائد: 1/ 235 - 236.