فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 462

لتَصُبَّ في بناء الفروق؛ والآخر: رَبْط جزئيّات الفروق بأُصول أكبرَ منها، تَجْمَعُها وتَضُمُّها تحت تصنيفات معيَّنة. وهذان الملمحان يُذَكِّران بتوجّه القرافيّ في دراسة الفروق، فهل كان السّيوطيّ قد اطَّلعَ على تراث القرافيّ، فاقتبس منه هذا التوجّه؟. أمَّا أنَّهُ قد اطَّلعَ على تراث القرافيّ، فتلك مسألة ثبتت لي بالدّليل القاطع؛ فقد وَجَدتُهُ يحيل على بعض كتبه في موضعينِ من كتابه (المُزْهِر في علوم اللُّغة وأنواعها) [1] ، كما كان كتابُ القرافيّ (الأُمنيَّة في إدراك النيّة) أحدَ مصادره المهمّة التي استقى منها مادّة كتابِهِ (منتهى الآمال في شرح حديث إنّما الأعمال) ؛ فقد نَقَلَ منه في عدة مواطِنَ مُصَرِّحًا باسمه [2] . وأمَّا أن يكونَ منهجُهُ في دراسة الفروق اللّغويّة قد تأثَرَ بمنهج القرافيّ، فذلك ما لا سبيلَ لي إلى الجزم بِهِ، وإن كنتُ لا أستَبْعِدُهُ بعد أن ثبتَ اطِّلاعُهُ على تراثِهِ ومعرفتُهُ الجيِّدةُ به. وما أحْسَبُ اقتفاءَهُ أثَرَ القرافيّ في تأليف كتاب خاصٍّ بالنيّة هو (منتهى الآمال) إلاّ صورةً من صور تأثّره به في الجملةِ.

ثالثًا: الفروق اللّغويّة عند ابن قيِّم الجوزيَّة:-

كان ابن قيِّم الجوزيَّة (751 هـ) [3] عَصِيًّا على أن أُصنِّفَ جهودَهُ في الفروقِ اللّغويّة في قسم معيَّن من أقسامها؛ فهو - كالقرافيّ من قَبْلِهِ - مَعْلَمَةٌ علميّة كبيرةٌ، وباحث متعمِّق، ومؤلِّف مُكْثِر، قد أمَدَّ المكتبةَ الإسلاميّة بالكثير من المؤلَّفات في علوم الشريعةِ عامّةً، وكان اهتمامُهُ بالفروق كبيرًا في مُعْظَم ما ألَّفَ، ومتنوِّعًا تنوّعَ اهتماماتِهِ العلميّة.

ويَقْرُبُ منهجُهُ في تناول الفروق اللّغويّة من منهج القرافيّ كثيرًا؛ إذ لم يَقْصُرْ جهودَهُ فيها على فرع من فروع اللُّغة دونَ غيرِهِ، بل شملتها جميعًا، وكذلك تضافَرَتْ

(1) ينظر: 1/ 40، 119.

(2) ينظر: 82 - 85، 93، 108، 121، 122.

(3) هو محمّد بن أبي بكر بن أيّوب بن سعد بن حريز الزّرعيّ ثم الدمشقيّ، الفقيه الأُصوليّ المفسّر النّحويّ، شمس الدّين أبو عبد الله بن قيِّم الجوزيَّة. تفنن في علوم الإسلام؛ فبرع في التّفسير، وأُصول الدّين، والفقه وأُصوله، والحديث، والعربيّة. من أهمّ كتبه: (تهذيب سنن أبي داود) ، و (زاد المعاد في هَدي خير العباد) ، و (جلاء الأفهام) . (ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: 2/ 447 - 449) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت