فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 462

«أمَّا القسم الثّاني، فقد بَحَثَ فيه مسائلَ متشابهة، إلاّ أنَّها مختلفة من حيث العلّة والحُكم؛ فمثلًا: بناءُ الاسم ومنعُهُ من الصّرف بينَهما تشابه؛ ففي كلّ منهما خروج بالاسم عن الأصل، فبناؤه ومَنْعُهُ من الصّرف خروج بالاسمِ عن أصْلِهِ؛ إذ الأصلُ فيه الإعراب والصّرف. وقد صاحَبَ هذا التشابهَ الموجودَ بينهما اختلافٌ في العلّة والحكم؛ فالاسم يكفي في بنائه شَبَهُهُ بالحرف من وَجْه واحد، بينما لا يكفي في منع صرفِهِ مشابَهَتُهُ للفعل من وَجْهٍ واحدٍ، بل لابُدَّ من مشابهته له من وجهينِ.» [1] .

ولاشكَّ في أنَّ عمل السّيوطيّ هذا عمل جليل متميّز لم يُسْبَقْ إليه على صورته تلك، ولا يقلِّلُ من قيمتِهِ كونُهُ مبنيًّا على أعمال أُخرى لعلماءَ سبقوهُ، نَثَروا الفروقَ في كتبهم؛ إذ لَهُم فضلُ السَّبْقِ والريادة، وله فضلُ التنظيمِ والإجادة. وما كان للسّيوطيّ - في رأيي - أن يقومَ بهذا العَمَل لولا تنوّعُ ثقافَتِهِ واتساعُها لِتَشْمَلَ علومَ اللُّغة، والفقه، والأُصول؛ فقد تداخَلَتْ هذه العلوم كُلُّها في تشكيل بنائه الفروقيّ اللُّغويّ في هذا الكتاب. وممّا يؤيِّد هذا الكلام: قيامُ السّيوطيّ بجُهْدٍ آخَرَ في مجال الأشباه والنّظائر، ولكنَّه كان هذه المرةَ في الفقه، وسَمّاه (الأشباه والنّظائر في قواعد وفروع فقه الشافعيّة) . ومن المثير للاهتمام أنَّهُ قَسَّمَ هذا الكتابَ أيضًا على سبعة كتب، يُهِمُّنا منها: «الكتاب السادس؛ فهو في أبواب متشابهة وما افترَقَتْ فيه، حيث تَعَرَّضَ فيه المؤلِّف رحمه اللهُ لعدد من المصطلحات الشرعيّة والأحكام الفقهيّة التي يَظْهَرُ عليها التشابُهُ وتلتقي في بعض الأحكام، ولكنَّها تختلف عن بعضها في أحكام أُخرى، وتفترق فيما بينَها بفوارقَ دقيقة قد يصْعُبُ على الناظر كَشْفُها؛ كالفرق بينَ اللَّمس والحِس، والحيض والنِّفاس، والأذان والإقامة، والتمتّع والقِران في الحجّ، والإجارة والبيع، والقضاء والحسْبَة، مُبَيِّنًا - باختصار - الفوارق بين كلّ مسألتينِ ممّا يكشف عن حقائقهما وأحكامهما.» [2] .

ويَظْهَرُ ممّا سَبَقَ أنَّ هناك ملمحينِ طَبَعَا تناول السّيوطيّ للفروق، سواء أكانت لغويّة أم فقهيّة؛ أحدهما: التداخل والتناغم بين العلوم المختلفة والتقاؤها جميعًا

(1) السّيوطيّ النّحويّ: 368. وينظر: الأشباه والنّظائر في النّحو: 4/ 130.

(2) الإمام الحافظ جلال الدّين السّيوطيّ: 196 - 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت