لم يُكَلَّفْ بهداية غيرهم، فكذلك الأول؛ فمن لم تكنِ له معرفة بدلالة الألفاظ ومواقع المخاطَبات، سَوّى بين المختلِفاتِ وفَرّقَ بين المؤتلِفاتِ.» [1] .
ب. الفرق بين قول الله تعالى في حق يحيى - عليه السلام: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} (مريم: 15) ، وقول عيسى - عليه السلام: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ} (مريم: 33) :-
قال القرافيّ: «قال النصارى: دلّ القرآن على الاتّحاد، والمسلمون ينكرون ذلك؛ بيانُهُ: أنَّهُ لما ذَكَرَ اللهُ تعالى يحيى - عليه السلام - قال في حقه: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} (مريم: 15) ، ولما ذَكَرَ عيسى - عليه السلام - قال في حقه: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ} (مريم: 33) ؛ فاتَّحَدَ المُسَلِّمُ والمُسَلَّمُ عليه في حق عيسى - عليه السلام - لأجل ما اختصّ به من الاتّحاد، ولما لم يحصل الاتّحاد ليحيى - عليه السلام - سَلَّمَ الله تعالى عليه بصيغة التعدّد، فقال: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ} ... والجواب: أنَّ هذا اغترار بما لا طائل تحته؛ لأنَّ كلّ واحد منَّا يَحْسُنُ منه أن يقول في حقّ نفسه: الرضوان والسّلام والرّحمة - على سبيل الدّعاء -؛ إن لم يعلم وقوعَ ذلك له، أو على سبيل الخبر إن علم وقوعَ ذلك له، مع القطع بعدم اتّحاد شيء بذاته، بَل لأنَّ اللّفظ العربيّ يقتضي ذلك. وأيُّ غريبٍ في قول عيسى - عليه السلام: {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ} ، أي: من الله تعالى، كما يقول صلواتُ اللهِ عليه: ورضوانُ الله عَلَيّ وفضلُهُ ونعمتُهُ. بل تَسْليمُ اللهِ تعالى على يحيى - عليه السلام - أفضلُ من قول عيسى - عليه السلام: {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ} ؛ لأنَّ خبر الله تعالى عن يحيى - عليه السلام - وحصولِ السّلامةِ له واقعٌ قطعًا، وخبر الله تعالى صِدْقٌ، وكَلامُ عيسى - عليه السلام - دعاءٌ، والدعاءُ ليس من لوازمه الإجابةُ، واللاّزمُ الوقوعِ أفضلُ من غير اللاّزمِ الوقوعِ، وإخبارُ الله تعالى عن العبد أفضلُ من إخبارِ العبد عن العبد؛ لمزيد شرف الربوبيّة على العبوديّة.» [2] .
(1) الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة (الشبهات التي أورَدَها النصرانيّ على المسلمين) : 27 - 28.
(2) الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة: 123 - 124.