أمَّا ساكن السّين فهو ظَرْف؛ تقول: جَلَسْتُ وَسْطَ القومِ، أي: بينَهم؛ قال ثعلب: وكلّ موضع يَصْلُحُ فيه (بَيْنَ) فهو (وَسْط) - بسكون السّين -، وإن لم يَصْلُح فيه (بَيْنَ) فهو (وَسَط) - بالتّحريك -.» [1] .
وفي ضوء ما تقدَّمَ يمكن فهم ما مَثَّلَ به القرافيّ لـ (وَسْط) - بالسّكون -، وهو أنَّهُ تُخْرَجُ الديونُ مِنْ وَسْطِ التركةِ، لا من وَسَطِها، بأن (الوَسْطَ) - بالسّكون - ظَرْفٌ يَلْزَمُ منه أخذ الديونِ من بينِ التركةِ من غير قسمةٍ فيها، أمَّا (الوَسَط) - بالفتح - فهو اسمٌ يَلْزَم منه قسمَةُ التركةِ على نصفينِ متساويينِ، وحينئذٍ يكون ما بينَهما عَدَمًا لا يمكن الأخذُ منه.
وأمَّا ما ذكره القرافيّ من عدم جواز الجلوس في وَسَطِ الدّار - بالتّحريك -، وجواز: في وَسْطِ الدّار - بالسّكون -، فصحيحٌ من حيث المعنى، أمَّا من حيث اللّفظُ، فقد ذَكَرَ بعض العلماء أنَّهُ إذا دَخَل حرفُ الوعاء (أي(في ) ) على (وسط) جاز قولنا: جَلَسْتُ في وَسَطِ القومِ - بالتّحريك -، والمعنى فيه - مع تحركه - كمعناه مع سكونه، ويكون بمعنى (وَسْط) السّاكن السين [2] .
على أنّني رأيت الزّمخشريّ (538 هـ) ينقل عن الكسائيّ (189 هـ) والفرّاء (207 هـ) قولهما عن (وَسَط) و (وَسْط) : «قد يوضَعُ أحدهما مكانَ الآخر؛ فإذا أردتَ العَدْلَ فهو (وَسَط) لا غير، ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143) .» [3] ، ولكنّه ذَكَرَ أنَّ الأصل هو التّفريق بينهما على وَفق ما ذَكَرَ آنفًا.
قال القرافيّ: «الوَضوء - بفتح الواو: الماء، وبضَمِّها: الفعلُ. وحُكيَ عن الخليل الفتحُ فيهما، والأوّل أشْهَر، وكذلك الغَسْلُ والغُسْلُ، والطَّهورُ والطُّهور.» [4] .
(1) شموس العرفان بلغة القرآن: 158 - 159.
(2) ينظر: شموس العرفان بلغة القرآن: 59.
(3) شرح الفصيح للزمخشري: 2/ 548.
(4) الذّخيرة (كتاب الطهارة) : 1/ 240.