فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 462

وما ذَكَرَهُ القرافيّ في مادّتَي (الوضوء) و (الطهور) سَبَقَهُ إليه كثير من أهل العِلم؛ فقد قال ابن الجبّان (ت بعد 416 هـ) [1] : «ويُقال للماء الذي يُتَطَهَّر به: (طَهور) ... ، و (الوَضوءُ) : الماءُ الذي يُتَوَضَّأُ به. ورُبَّما سُميَ التَطَهُّر والتَوَضُّؤُ طَهورًا ووَضوءًا - بالفتح -، وقد يُقال: (وُضوء) - بالضم -، و (طُهور) - بالضم: مصدرُ: طَهَرَتِ المرأةُ طُهرًا وطُهورًا.» [2] ، وذَكَرَ ابن مكّيّ الصقلّيّ (501 هـ) نحوًا من هذا الكلام [3] . ويبدو أنَّ مَذهبَ الكوفيّين هو أنَّ (الوَضوءَ) هو الاسم، و (الوُضوء) هو المصدر، أمَّا البصريّون فيغلب عليهم القول بأنَّ (الوَضوء) هو الاسم والمصدرُ جميعًا [4] . وقد ذَهَبَ الأزهريّ (370 هـ) إلى قريب من هذا المذهب الأخير؛ فبَعْدَ أن ذكرَ نحوًا ممّا ذَكَرَهُ غيرُهُ في (الطَّهور) و (الوَضوء) المفتوحين، قالَ: إنَّ (الوُضوءَ) - بالضمّ - «لا يُعْرَف ولا يُسْتَعْمَلُ في باب التوضؤ بالماء، وقد يقال: وَضُؤَ الإنسانُ يَوْضُؤُ وَضاءَةً ووُضوءًا، إذا حَسُنَ، فهو وَضيء.» [5] . وشايَعَهُ على هذا المذهبِ الزمخشريُّ (538 هـ) الذي قال: «وقال بعضهم: (الوَضوء) : الاسم، و (الوُضوءُ) : الفعلُ، ولستُ أعرفُ ما صِحَّتُهُ. والصّحيحُ: الفتحُ.» [6] .

وأمَّا ما فَعَلَهُ القرافيّ مِنْ سَلْكِهِ (الغَسلَ) مع (الوَضوء) و (الطَّهور) ، ففيه وَقَفَةٌ؛ فإن كان يَعْنِي بذلك أنَّ الموادّ الثّلاثَ يَجْمَعُها أنَّها تختلف معانيها باختلافِ حركة الفاء فيها فتحًا وَضَمًّا، فهذا ممّا يوافِقُهُ عليه الكثيرُ، وأمَّا إن كان قَصْدُهُ بذلك أنَّ معناها جميعًا عند تحريك الفاء فيها بالفتح هو الماءُ، وعند تحرّكهَا بالضمّ هو الفعلُ؛ فهذا ممّا يُناقَشُ فيه؛ فقد ذَكَرَ ابنُ مكّيّ الصقلّيّ (501 هـ) أنَّ ممّا يُخطئُ فيه العامّةُ: قولُهُم للاغتسال من الجنابةِ وغيِرِها: غُسْل - بالضمّ -، وأنَّ «الصّواب:

(1) هو محمد بن علي بن عمر بن الجبّان، أبو منصور. بَرَعَ في اللُّغة، ومن أهم كتبه: (أبنية الأفعال) ، و (شرح الفصيح) ، و (الشامل في اللُّغة) . (ينظر: بغية الوعاة: 1/ 185) .

(2) شرح الفصيح في اللُّغة: 210.

(3) ينظر: تثقيف اللسان وتلقيح الجنان: 262 - 263.

(4) ينظر: هامش تحقيق شرح الفصيح للزمخشري: 2/ 415.

(5) الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي: 96 - 97.

(6) شرح الفصيح للزمخشري: 2/ 415.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت