فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 462

«والاستعلاء: طَلَبٌ بغِلْظَةٍ، والعلو: كونُ الطّالبِ أعلى رتبةً ... ؛ قال البرماويّ [1] : والمراد بالعلوّ: أن يكون الآمِرُ في نفسه عاليًا، أي: أعلى درجةً من المأمور. والاستعلاءُ: أن يَجْعَلَ الآمِرُ نفسَهُ عاليًا بكبرياءَ أو غير ذلك، سواءٌ كان في نفس الأمر كذلك أوْ لا. فالعلو من الصّفات العارضة للآمر، والاستعلاء من صفةِ صيغة الآمِرِ، وهيئةِ نطقِهِ مَثَلًا.» [2] .

ووَصْفُ القرافيّ وغيرِهِ من الأُصوليّين الاستعلاءَ بأنَّهُ ترفّعٌ وإظهارٌ للقَهْرِ، أو جَعْلُ الآمِرِ نفسَهُ عاليًا - يوافقُ أحَدَ ما اقترنتْ صيغَةُ هذه الكلمة (الاستفعال) به من معانٍ؛ وهو معنى التكلُّف؛ نحو: «استَعْظَمَ: أظْهَرَ العَظَمَةَ، واسْتَكْبَرَ، أي تَكَبَّرَ، واسْتَجْرَأ زيدٌ الأمرَ، أي: تَكَلَّفَ الشّجاعةَ والإقدامَ.» [3] .

ب. الفرق بين:(التّسخير)، و(السّخرية):-

ذَكَرَ فخر الدّين الرّازيّ (606 هـ) أنَّ صيغة (افْعَلْ) تُسْتَعْمَلُ في خمسة عَشَرَ وجهًا؛ منها: التّسخيرُ، كقوله تعالى: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (الأعراف: 166) ، فَذَكَرَ القرافيّ أنَّ «اللاّئق بهذا القسم أن يُسمى سخريةً لا تسخيرًا؛ لأنّ السّخرية: الهزو، كقوله تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} (الزخرف: 32) ، {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} (هود: 38) . فأمّا التّسخيرُ فهو نعمة وإكرام؛ لقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} (إبراهيم: 33) ، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} (إبراهيم: 32) ، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} (إبراهيم: 33) » [4] .

وقد خالف القرافيُّ هنا شيخَه ابنَ الحاجب (646 هـ) الذي مَثَّلَ بقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (الأعراف: 166) للتّسخير، ومَثَّلَ للإهانةِ بقوله تعالى:

(1) هو شمس الدّين محمد بن عبد الدايم بن عيسى بن فارس البرماوي الشافعي. بَرَعَ في الفقه والأُصول، ومن أهم كتبه: (شرح البخاري) ، و (نظم ألفية في أُصول الفقه) . توفي سنة (831 هـ) . (ينظر: مصطلحات المذاهب الفقهية: 228) .

(2) شرح الكوكب المنير: 3/ 16 - 17.

(3) أوزان الفعل ومعانيها: 109.

(4) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 3/ 1223 - 1228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت