ووافَقَ العزُّ بنُ عبد السّلام (660 هـ) - شيخ القرافيّ - ابنَ رُشدٍ في مُتَعلَّق الوَرَع؛ فقال في تعريفه: «الوَرَعُ تركُ ما يَرِيْبُ المُكَلَّفَ إلى ما لا يَرِيْبُهُ» [1] ؛ فما يَريبُ المُكَلَّفَ هو ممّا لا ينبغي فِعْلُهُ.
ولعلَّ الرجوعَ إلى الأصل اللُّغويّ لكلمة (الوَرَع) يُرَجِّحُ قولَ ابن رُشد والعِزّ على قول القرافيّ؛ قال ابن فارس (395 هـ) : «الواو، والرّاء، والعَين: أصل صحيح يدلّ على الكفِّ والانقباض، منه الوَرَع: العِفَّة، وهي: الكَفُّ عَمّا لا ينبغي، ورَجُلٌ وَرِعٌ.» [2] ؛ فمتعلّق الكَفِّ في الوَرَع - لغةً - هو ما لا ينبغي فِعْلُهُ، وليس ما لا بأسَ بفعله. فتعريفُ القرافيّ للوَرَعِ - إذًا - غيرُ دقيق، وهو تعريف لِسَدِّ الذّرائع، الذي يتعلَّق بما هو مُباح في الأصل، ولكنْ مُنِعَ منه خَشْيَةَ الوقوع في الحرام [3] .
ويمكن التوفيقُ بين الرأيينِ بأنَّ تعريف القرافيّ ينصرف إلى مرحلة متقدّمة من الوَرَع؛ فأوائل الوَرَع تتعلّق بالكفِّ عَمّا لا ينبغي فعلُهُ، وأواخِرُهُ بما لا بأسَ بفعله حَذَرًا ممّا به البأسُ. وأمَّا ما فرقَ به القرافيّ بين الزّهد والوَرَع، وهو أنَّ الأوّل من أعمال القلوب، والآخَر من أعمال الجوارح؛ فدقيق جدًا؛ لاستناده إلى أصليهما اللُّغَويَيْنِ؛ فـ «الزهدُ في الشيءِ: قلة الرغبة فيه، ... فمعنى الزاهِدِ في الشيءِ: الراغبُ عنه، القانعُ منه بقليله.» [4] ، والرغبة والقناعة شأنان قلبيان. أمَّا الوَرَع؛ فهو - كما سبق ذكره - الكَفُّ عَمّا لا ينبغي، وهذا شأن عملي مترتب على الشأن القلبي السابق. فالوَرَع - بهذا المعنى - ثمرةُ الزهدِ ونتيجتُهُ، كما قال بعض أهل العلم: «الوَرَعُ أوَّلُ الزهدِ، كما أنَّ القناعةَ أول الرِّضا.» [5] .
(1) القواعد الكبرى: 2/ 111.
(2) معجم مقاييس اللُّغة: 6/ 100.
(3) ينظر: أحكام الاشتباه الشرعية: 101.
(4) عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1132.
(5) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: 2/ 22.