قال القرافيّ: «قال الرّمّانيُّ: الفرقُ بين قولِنا: (إلاّ زيدًا) - بالنَّصْبِ -، و: (إلاّ زَيدٌ) - بالرفع - على البدل: أنَّ النَّصْبَ يوجِبُ أنَّهُ فَضْلَةٌ في الكلام، والمُعْتَمَدُ هو ما تقدّمه؛ والرّفع يقتضي أنَّهُ مُعْتَمَدُ الكلامِ وغيرُهُ في نيّة الطَّرْح.» [1] .
وقد زاد ابنُ يعيشَ (643 هـ) هذه المسألةَ إيضاحًا بقوله: «والفرقُ بين البدل والنّصب في قولك: (ما قامَ أحدٌ إلاّ زيدٌ) : أنّك إذا نصبتَ جعلْتَ معتَمَدَ الكلامِ النّفيَ، وصار المستثنى فضلةً، فتنصبه كما تنصب المفعول به، وإذا أبدلْتَهُ منه كان معتَمَدُ الكلامِ إيجابَ القيامِ لزيد، وكان ذَكَرَ الأوّل كالتوطئة، كما ترفَع الخبر لأنّه معتَمَدُ الكلام، وتنصبُ الحالَ لأنّه تبيعٌ للمعتَمَدِ في نحو: زيدٌ في الدّار قائمًا.» [2] .
ولم يَرُقْ هذا التّعليلُ الدكتورَ فاضلًا السّامرائيَّ؛ لأنَّ مقتضاه - عنده - أن يكون معنى: (ما جاءَ الرّجالُ إلاّ خالدٌ) كمعنى: (ما جاءَ إلاّ خالدٌ) لأنَّ البدل على نيّة السقوط عندهم، وهذا غير صحيح؛ «فإنَّ المعنى فيهما مختلف؛ فإنّك إذا قلتَ: (لم يَزُرْني أصدقائي إلاّ خالدٌ) جعلتَ خالدًا من أصدقائك وقد استثنيتَهُ منهم، وقد يكون زارَكَ أحدٌ من غيرِ أصدقائك. فإن قلتَ: (لم يَزُْني إلاّ خالدٌ) دَلَّ على أنَّهُ لم يَزُرْكَ أحدٌ من أصدقائك أو مِن غَيْرِهِم إلاّ خالد، فالمبدَلُ منه له معنًى وفائدة.» [3] .
ثمّ وَجَّهَ الدكتور فاضل الفرقَ بينَ الإتْباع والنّصب بأنّ الإتْباع يدلّ حتمًا على أنَّ المستثنى بعض من المستثنى منه، بخلاف النّصب؛ فإنَّهُ من المحتمل أن يكون بعضًا منه وألاّ يكونَ، أي إنَّ الإتباعَ يدلّ قطعًا على أنَّ الاستثناء متّصل، أمَّا النّصب فإنَّهُ يَحْتَمِلُ الاتّصال والانقطاع. وقد يُرادُ بالنّصب أيضًا البعدُ عن المستثنى
(1) تَصَرَّفَ القرافيّ بعضَ التَّصَرُّف فيما نَقَلَهُ عن الرّمَانيّ؛ إذ إنَّ النَّصَّ على النّحو الآتي: «والفرق بين البَدَل والنّصب في: (ما جاءَني أحدٌ إلاّ زيدًا) ، أنَّ النّصب على أنَّ معتمد البيان (أحد) ، والرّفع على البدل على أنَّ معتمد البيان (زيد) » . (نماذج محقّقة من شرح الرّمَانيّ على كتاب سيبويه - في ضمن كتاب الرّمّانيّ النّحويّ في ضوء شرحه لكتاب سيبويه: ص 388) .
(2) شرح المُفَصَّل: 2/ 69.
(3) معاني النّحو: 2/ 687.