بعد أن تحدَّث القرافيّ عن الخلاف بين الفقهاء والفلاسفة في القلب؛ أفي العقل هو أم في الدّماغ؟، قال: «قد قال بعض العلماء: إنَّ النّفْس هي الرّوح، وهي العقل؛ فتُسَمّى نَفْسًا باعتبار ميلها إلى الملاذّ والشَّهَوات؛ ورُوحًا باعتبار تعلّقها بالجسد تعلُّقَ التدبير ... ومتى فارَقَتْهُ ذهبَتْ حياتُهُ في مجاري العادات. ومن الممكن عقلًا أن تَذْهَبَ الرّوح من الجسد ويبقى حيًّا، كما تَضَعُ المرأةُ جنينَها وتبقى حيّةً على حالها. فالنفْس: جسم لطيف حيّ شفّاف في جسم حيّ كثيف، فمفارقته كمفارقة الجنين. وباعتبار كونها محصِّلةً للعلوم بالفِكْر تسمّى عقلًا. فصار لها ثلاثةُ أسماءٍ باعتبار ثلاثةُ أحوال، والموصوفُ واحدٌ» [1] .
وخلاصة رأي القرافيّ: أنَّ النفس والرّوح والعقل: أوصاف ثلاثة لموصوف واحد؛ يُسمّى نفسًا باعتبار الميل إلى الملاذّ والشّهوات؛ وروحًا باعتبار تدبير الجسد وإمداده بأسباب الحياة؛ وعقلًا باعتبار تحصيل العلوم بالفِكْر. والملاحَظُ أنَّ القرافيّ لم يَحْتَجَّ لهذا التفريق، لذا سأذكر بعض ما يوضح كلامَه ويَشهدُ له.
فأمّا التّفريق بين التّسمية بالنفس والتّسمية بالرّوح بالاعتبارين المذكورين؛ فقد يكون ذلك بسبب أنَّ «لفظ النفْس مشترك؛ يقع على الرّوح وعلى الذّات» [2] ؛ يقول ابن قيِّم الجوزيّة (751 هـ) : «والنّفْس في القرآن تُطْلَق على الذّات بجملتها، كقوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} (النور: 61) ... وتُطلَق على الرّوح وحدَها، كقوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} (الفجر: 27) ، وقوله تعالى: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} (الأنعام: 93) ... وأمَّا الرّوح، فلا تُطلق على البدن لا بانفراده ولا مع النفْس، وتُطْلَق الرّوح على القرآن، ... قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} (الشورى: 52) ... وسَمّى ذلك روحًا لما يحصل به من الحياة النافعة ... وسُمِّيت الرّوح روحًا لأنَّ بها حياة البدن، وكذلك سميت الرّيح لما يحصل بها من الحياة، وهي من ذوات
(1) الأُمنية في إدراك النيّة (في محل النيّة) : 18.
(2) الفروق اللّغويّة: 119.