لقاء الله تعالى بتلك الطاعة احتقارًا لها ... فالكِبْر راجع للخَلق والعباد، والعُجْبُ راجع للعبادة.» [1] .
فالنّتيجة التي انتهى إليها القرافيّ في الفَرقِ بين الكِبْرِ والعُجْبِ هي أنَّ مرجعَ الكِبْرِ للعباد، أمَّا العُجْبُ فمرجعه للعبادةِ. وقد زادَ هذا الفَرْقَ إيضاحًا ابنُ حجر الهيتميّ (973 هـ) [2] بقوله: «إنَّ الكِبْرَ إمَّا باطن، وهو خُلُقٌ في النفس، واسم الكِبْرِ بهذا أحق؛ وإمَّا ظاهِرٌ، وهو أعمال تَصْدُرُ من الجوارح، وهي ثمرات ذلك الخُلُق ... فالأصلُ هو خُلُقُ النّفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النّفْس فوقَ المُتَكَبَّرِ عليه؛ فهو يستدعي مُتَكَبَّرًا عليه ومُتَكَبَّرًا به، وبِهِ فارَقَ العُجْبَ؛ فإنَّهُ لا يَسْتَدْعي غيرَ المُعْجَبِ به، حتّى لو فُرِضَ انفرادُهُ دائمًا أمْكَنَ أن يقعَ منه العُجْبُ دونَ الكِبْرِ؛ ومُجُرَّدُ استعظامِ الشّيء لا يقتضي التكبُّرَ إلاّ إن كان ثَمَّ مَن يرى أنَّهُ فوقَه.» [3] .
وعلى هذا، يكون العُجْبُ تعلُّقًا بالنفس وعبادةً لها، وهو بهذا المعنى يفارقُ الرياءَ الذي هو تعلُّقٌ بالخَلْقِ ونوعُ عبادةٍ لهم؛ «فالمُرائي لا يُحَقِّقُ قولَه: {إيَّاكَ نَعْبُدُ} (الفاتحة: 5) ، والمُعْجَبُ لا يُحَقِّقُ قوله: {إيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) .» [4] .
قال القرافيّ: «قولُهُ تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} (هود: 106) ، ... الزّفير: صوت شديد خاصّ بالمَحْزونِ والوَجِعِ، والشّهيق: يكون في صوت الباكي الذي يصيح خلالَ بكائه. وقالَ ابنُ عبّاس: الزّفيرُ: صوت حادّ، والشّهيق: صوت ثقيل. وقال أبو العاليةِ: الزّفيرُ: من الصَّدْرِ، والشّهيقُ: من الحَلْقِ، وقيلَ بالعكس. وقال قَتَادةُ: الزّفير أوّلُ صوتِ الحمارِ، والشّهيق
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدة الكِبْر وقاعدة العُجْب) : 4/ 1355 - 1357.
(2) هو أبو العباس شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري. من كبار فقهاء الشافعية، ومن أهم كتبه: (الزواجر) ، و (الفتاوى) ، و (شرح الهمزية) . (ينظر: الفكر السامي: 4/ 420) .
(3) الزواجر عن اقتراف الكبائر: 1/ 137 - 138.
(4) العُجْبُ؛ الأسبابُ، المظاهرُ، العلاجُ: 11.