فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 462

الوجه الثاني: أنَّ الإنشاءات يتبعها مدلولُها، والإخبارات تتبَعُ مدلولاتِها؛ أمَّا تَبَعِيَّةُ مدلول الإنشاءات، فلأنّ الطّلاقَ والمِلْكَ - مثلًا - إنّما يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع؛ وأمَّا أنَّ الخبر تابع لمُخْبَرِهِ، فنعني بالتّبعيّة أنَّهُ تابع لتَقَرُّرِ مُخْبَرِهِ في زمانه، ماضيًا كان أو حاضرًا أو مستقبلًا؛ فقولنا: قامَ زيدٌ، تَبَعٌ لقيامه في الزّمان الماضي، وقولنا: هو قائمٌ، تَبَعٌ لقيامه في الحال، وقولنا: سيقومُ الساعةَ، تبعٌ لتقرّر قيامِهِ في الاستقبال. وليس المرادُ بالتّبعيّة التّبعيّةَ في الوجود، وإلاّ لما صَدَقَ ذلك إلاّ في الماضي فقط؛ فإنَّ الحاضرَ مقارِنٌ، فلا تبعيّةَ لحصول المساواة، والمستقبل وجودُهُ بعد الخبر، فكان متبوعًا لا تابعًا ... الوجه الثالث: أنَّ الإنشاء لا يَقْبَلُ التّصديقَ والتّكذيبَ؛ فلا يَحْسُنُ أن يُقال لمن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثًا: صَدَقَ، ولا: كَذَبَ، إلاّ أن يريد به الإخبارَ عن طلاق امرأته، وكذلك لمن قال لعبده: أنت حر، وغير ذلك من صيغ الإنشاء، بخلاف الخبر؛ فإنَّهُ قابل للتّصديق والتّكذيب ... الوجه الرابع: أنَّ الإنشاء لا يقع إلاّ منقولًا عن أصل الوضع في صيغ العقود والطّلاق والعتاق ونحوها، وقد يقع إنشاءٌ في الوضع الأوّل كالأوامر والنّواهي، فإنّها تُنشئُ الطلبَ بالوضع اللُّغويّ الأوّل. والخبر يكفي فيه الوضع الأوّل في جميع صوره؛ فقول القائل لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، لا يفيد طلاقَ امرأتِهِ بالوضع الأوّل، بل أصل هذه الصّيغة أنَّهُ أخْبَرَ عن طلاقها ثلاثًا وأن لا يَلْزَمه بها شيء، كما يتّفق له في بعض أحواله إذا سألَتْهُ امرأتُهُ بعد الطّلاقِ، فيقول لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، إعلامًا لها بتقدّم الطّلاق، فهذا هو أصل الصّيغة، وإنّما صارت تُفيد الطّلاق بسبب النقل العرفيّ عن الإخبار للإنشاء، وكذلك جميعُ هذه الصّيغ.» [1] .

هـ. الفروق في الأزمان والصّيغ في الإنشاء بين الشهادة، والعَقْدِ، والقَسَم:-

(1) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدتي الإنشاء والخبر) : 1/ 96 - 97. وينظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام: 48 - 49، و: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في الحقيقة الشرعيّة) : 2/ 863.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت