فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 462

قال القرافيّ: «إنَّ اللّفظ انقسم إلى ما يَصْلُح للإنشاء في باب، ولا يَصْلُحُ له في باب آخر؛ وتقريره: أنَّ اللّفظ الموضوع لإنشاء الشّهادة هو صيغة المضارعة؛ بأن يقولَ الشاهد: أشْهَدُ، ولو نَطَقَ بالماضي فقال: شهدتُ بكذا، لم يكن إنشاءً، ولم يُرَتِّبِ الحاكمُ عليه شيئًا. وفي العقود: المتعيّنُ لها من اللّفظ هو الماضي، على العكس من الشهادة؛ فيقول البائع: بعتُك هذه السّلعةَ بدرهم، ولو قال: أبيعُك هذه السّلعة بدرهم، لكان وَعدًا بالبيع لا بيعًا. وكذلك يقول المشتري: اشتريْتُ - بصيغة الماضي -، ولو قال: أشتريها بكذا - بصيغة المضارع - لكان ذلك وَعْدًا بأنَّهُ سيشتريها. وأمَّا صيغُ الأوامر، نحو: اشْترِها بكذا، فليس إنشاءً. هذا ما يتعلّق بصيغ الأفعال، وأمَّا صيغ أسماء الفاعِلينَ، فقد وُضِعَ اسمُ الفاعل للإنشاء في الطّلاق والعتاق، نحو: أنتِ طالق، وأنتَ حُرٌّ، ولم يوضَع للإنشاء في العقود، نحو: أنا بائع، وأنا مشترٍ، وواهب، ونحوها، ولم يوضَع أيضًا للإنشاء في الشّهادة؛ فلو قال: أنا شاهد بكذا، لم يكن إنشاءً. هذا في باب العقود والشّهادات، أمَّا باب القَسَم؛ فيصحّ الإنشاء فيه بالماضي، والمستقبل، واسم الفاعلِ، نحو: أقسمْتُ بالله لأفعلنَّ، و: أُقْسِمُ باللهِ لأفعلنَّ، و: أنا مُقْسِمٌ عليك باللهِ لتفعلَنَّ. فتلخَّصَ: أنَّ الفعل الماضي للإنشاء في العقود فقط، والمضارع للإنشاء في الشهادات فقط، والقَسَم له المضارع والماضي وغيره؛ فهو أعمّ الأبواب في صيغ الإنشاء.» [1] .

وقد بَيَّنَ القرافيّ - في موضع آخر - سبب هذه الفروق بين الأبواب؛ فقال: «وسبب هذه الفروق بين الأبواب: النقلُ العرفيُّ من الخبر إلى الإنشاء؛ فأيّ شيء نَقَلَتْهُ العادةُ لمعنًى صارَ صريحًا في ذلك المعنى بالوضع العرفيّ، فيعتَمِدُ الحاكمُ عليه لصراحته، ويستغني المفتي عن طلب النيّة معه لصراحته أيضًا. وما هو لم تنقله العادة لإنشاء ذلك المعنى يَتَعَذَّرُ الاعتمادُ عليه، لعدم الدّلالةِ، والعرفيّةِ. فنَقَلت العادةُ في الشّهادة المضارعَ وحدَه، وفي الطّلاقِ والعِتاقِ اسمَ الفاعل والماضي. فإن اتفق وقتٌ آخَرُ تَحْدُثُ فيه عادةٌ أُخرى تقتضي نسخَ هذه العادة، وتَجَدُّدَ عادةٍ أُخرى،

(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام: 53 - 54. وينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدتي الخبر والإنشاء) : 1/ 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت