اتَّبَعْنا الثاّنيةَ وتَرَكْنا الأُولى، ويصيرُ الماضي في البيع، والمضارعُ في الشّهادة على حَسَب ما تُجَدِّدُ العادةُ. فتأمَّلْ ذلك واضبْطهُ؛ فمن لا يعرف الحقائق العرفيّة وأحكامها يُشْكِلْ عليه الفَرْقُ.» [1] .
ويُمَثِّلُ هذا الفرقُ مثالًا جيّدًا للدّراسات الأُصوليّة اللّغويّة التي أغنت الدراسات النّحويّة في الجوانب التي لم يكن لها بها اهتمام كبير؛ «فقد رَكَّزَ النّحاةُ اهتمامهم على الزّمن الصّرفيّ من خلال الصّيغ الفعلية المعزولة عن سياقاتها» ، و «لم يربطوا بين الصّيغ الصّرفيّة والسّياقات التي تأتي فيها في مثل هذه التّراكيب: بِعْتُكَ هذه السّيّارة - لمن تُحَدِّثُهُ الآنَ -، ودعائك لمن مات، قائلًا: يَرْحَمُهُ اللهُ» [2] ، إلاّ ربطًا عارضًا غيرَ مُعَمَّق.
وكان الدكتور تمام حسّان قد دعا - متحمّسًا - إلى طريقةٍ في دراسة الزّمن النّحويّ تعتمدُ النّظرَ في أُسلوبَي الخبر والإنشاء؛ فقال: «وإذا كان الزّمنُ النّحويُّ وظيفةً في السّياق، فإنَّ علينا أن ننظر في هذا السّياق لنكشفَ عن الزّمن. وإنّ الذي يمكننا أن ننظر إليه من أنواع السّياق هو أنواعُ مباني الجملة العربيّة؛ فالجملة العربيّة تنقسم إلى قسمين رئيسين، هما: الجملة الخبريّة، والجملة الإنشائيّة، وتَحْتَ كلّ منهما تفريعات.» [3] . وهذه دعوة مسبوقة بواقع ملموس في دراسات الأُصوليّين، والفُروقُ التي بين أيدينا خيرُ شاهدٍ على ذلك؛ فهي فروق في جُمَلِ إنشائيّة، جاءت الأفعالُ في معظمها لتُعَبِّر عن أزمنة نحويّة سياقيّة، لا عن أزمنة صَرْفيّة معزولة؛ فقد استُخْدِمَ «الفعلُ الماضي للدّلالة على الحَدَث في زمن التّكلم في ألفاظ العقود وعبارات القَسَم، نحو قولهم: بِعْتُكَ، اشتريْتُ، زَوَّجْتُها، ونحو قولهم: أنشدتُكَ الله، عَزَمْتُ عليك إلا فعلتَ كذا، الخ. وفي هذه الحالة يكون الزّمن في الفعل الماضي نحويًّا لا صرفيًّا.» [4] .
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدتي الخبر والإنشاء) : 1/ 139.
(2) الزّمان الدّلاليّ: 208.
(3) اللُّغة العربيّة معناها ومبناها: 243.
(4) مقال: الزّمن الصّرفيّ والزّمن النّحويّ في اللُّغة العربيّة: 141.