وذَكَرَ الزّمخشريّ (538 هـ) أنَّ من المعاني المجازيّة التي يَخرجُ إليها الضَّرْبُ: ضَرَبَ في الأرضِ، و: ضَرَبْتُ له الأرضَ كُلَّها فلم أجِدْهُ، وضَرَبَ الأرضَ: إذا أبْدى [1] .
ولا يختلف استعمال القرآن عَمّا ذُكِرَ آنفًا؛ فقد قال محمّد رشيد رِضا في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النّساء: 101) : «الضّرب في الأرض عبارة عن السّفر فيها؛ لأنَّ المسافِرَ يضرب الأرضَ برجليه، وعَصاه، أو بقوائم راحلته، كما يُقال: طَرَقَ الأرضَ، إذا مَرَّ بها، كأنّه ضَرَبها بالمطرقة، ومنه (الطريق) ، أي: السبيل المطروق.» [2] ، وذَكَرَ محمّد رشيد رضا أنَّهُ على الرّغم من أنَّ السّياق القرآني الذي وَرَدَت فيه هذه الآية هو في أحكام الجهاد في سبيل الله والهجْرة، قيلَ: {ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} ، ولم يُقَلْ: {ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ} كما جاء في الآية (93) من السورة نفسها؛ وذلك لبيانِ أنَّ الرخصةَ تشملُ كلّ مسافِرٍ ولو لم يكن سفره في سبيل الله، بأن كان للتجارة أو للسيّاحة مثلًا. وإذا كان السّفر في سبيل الله فالمسافر أحقَ بالرّخصة وهي له أوّلًا وبالذّات، بقرينة السّياق [3] .
ويتّضح ممّا تقدَّم أنَّ الاستعمال القرآنيّ للضرب في الأرض يشمل نوعي السَّفَر كليهما، وقد تكون دلالة السفر في سبيل الله وللجهاد هي المُغَلَّبَة أحيانًا، بعكس ما نَقَلَهُ القرافيّ عن بعض أهل التفسير.
قال القرافيّ: «وَرَدت النّصوصُ بإفرادِ اليدِ وتثنيتها وجَمْعها: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (الفتح: 10) ، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص: 75) ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ ممّا
(1) ينظر: أساس البلاغة: 2/ 44.
(2) تفسير القرآن الحكيم: 5/ 363.
(3) ينظر: تفسير القرآن الحكيم: 5/ 364.