وما لنا نذهبُ بعيدًا في محاولة إضفاء دلالة (العِلْمِيّة) على صيغة المصدر الصناعي، ومصطلح (المنهجيّة) الأثير في هذا البحث يمُتُّ بصلَة وثيقة إلى المصطلح الإنجليزي (Methodology) الذي يُتَرْجَم بـ (عِلْم المنهج) . فإذا ما عُلِمَ أنَّ المصطلحات الإنجليزيّة المنتهيّة بـ (logy) لا تنفكّ عن دلالة (العلميّة) بحسب أصل وَضعها اللُّغويّ، وأنَّها تترجَمُ غالبًا إلى العربيّة بصيغة المصدر الصناعيّ - كما في ترجمة (Semiology) بـ (السّيميائيّة) أو (علم السّيميائيّات) [1] - تَبَيَّنَ لنا شدّة لصوق دلالة (العلميّة) بصيغة المصدر الصناعيّ.
وإذا كان من أبرز دلالات المصدر الصناعيّ: دلالة المذهَب والاتّجاه، ودلالة العلميّة، فإنَّ هذا يبدو مناسِبًا جدًّا لما أُريدُ إثباتَ تفرد القرافيّ به على مَنْ سواه ممّن صنَّفَ في الفروق اللّغويّة؛ فإنَّ ما جاءَ به يمثِّل اتّجاها ومذهبًا خاصًّا، كما أنَّهُ يتميّزُ بصفة البناءِ العلميّ الذي له أُسُسُهُ وضوابطُهُ الخاصَّةُ به.
الجهودُ جمعُ جهد، والجَهْدُ: الطّاقةُ والمشقّةُ، وقد يُضَمُّ [2] ، «وقيل: الجَهْدُ - بالفتح: المشقّةُ، والجُهْد: الوُسْعُ» [3] ، على ما سيأتي تحريرُ القولِ فيه في فَرْقٍ خاصّ عالجهُ القرافيّ.
وقصدتُ من إيراد كلمة (جهود) مضافةً إلى القرافيّ: المواطنَ التي اشتملتْ على حديث له عن الفروق في مختلف ميادين اللُّغة، تمييزًا منّي لهذا الجانب في تراث القرافيّ العلميّ الذي يمثِّل المَظهر التطبيقيّ العمليّ من شخصيّته العلميّة، مِنَ الجانب الأوَّل - وهو (منهجيّتُهُ) - الذي يمثِّل المظهَر النظريَّ العلميّ منها.
والفصلُ بين الجانبينِ يعود إلى رغبتي في تجلية تبريز القرافيّ في الصعيدين كليهما؛ إذ لم يَقْصُر جهده على الجانب النظري العلميّ تاركًا وراءَ ظهره الحالات التطبيقيّة التي تمنحُ النظريّة وجودَها الفعليّ وتنفُخُ فيها الرّوح، كما أنَّهُ لم يُبْدع في
(1) ينظر: منازل الرؤيّة: 58.
(2) ينظر: القاموس المحيط: 1/ 404.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 208.