حقول اللُّغة المختلفة حالاتٍ تكامليّة تُؤسِّسُ - بمجموعِها - صَرْحًا فروقيًّا لغويًّا متكاملًا يَرْجِع إلى ضوابطَ وأُسس وأُطُر فكريّة مُوَحَدةٍ في تناولها وطرق معالجتها. فتاريخنا اللُّغويّ - إذًا - لا يفتقر إلى (منهج) في دراسة الفروق، ولكنَّه يفتقر كثيرًا إلى ما يمكن أن يُشارَ إليه بوصفه انعطافًا تاريخيًّا، وإضافةً إبداعيّة حقيقيّة إلى (المنهج) ، أي إنَّهُ يفتقر إلى (المنهجيّة) .
فأنا أمِيلُ إلى التّمييز بين (المنهج) و (المنهجيّة) ، كما مالَ إلى ذلك أيضًا الدكتور إميل بديع يعقوب، الذي مَيَّزَ بينهما مستندًا إلى أُسس منها: أنَّ (المناهج) وَصْفٌ لأعمال العلماء المتقدمينَ وطرائِق بحوثهم وأساليبِهم ومصطلحاتِهم، أمَّا (المنهجيّة) ، فمجموعةُ معايير وتقنياتٍ ووسائِلَ يجب اتباعُها، وأنَّ (المناهجَ) تُطْرَحُ عادةً للنقد والتقويم، أمَّا (المنهجيّة) فمعايير تُلْتَزَمُ لتوفيرِ الجهدِ، وتسديدِ الخُطا على الطريق العلميّ الصحيح [1] .
وذكرَ الدكتور محمود فهمي حجازي أنَّ صيغة المصدر الصناعي «تدل على المذاهب والاتّجاهات، مثل: السلوكيّة، والبنيويّة، والتحويليّة، وهذه الصّيغةُ تقابِلُ الكلمات الأوربيّة المنتهيّة بـ Ism» [2] ، كما أنَّها تدل أيضًا «على العلوم ومجالاتها؛ وذلك مثل استخدام كلمة (الألسنيّة) أي: علم اللُّغة، و (الاجتماعيّة) أي: علم الاجتماع، وكذلك (الصوتميّة) و (الصّرفميّة) ، و (التّركيبيّة) ، و (المعجميّة) ، بدلًا من (علم الأصوات) ، و (علم الصّرف) ، و (علم التّركيب) ، و (علم المعجم) .» [3] .
واقترح الدكتور كمال أبو ديب ترجمة المفاهيم العلميّة التي تنتهي بـ tics بما يقابلها من صيغ الجمع المؤنّث في العربيّة، كأن يُقال مثلًا: (اللسانيّات) في ترجمة (Linguistics) ، و (الشِّعْرِيّات) في ترجمة (Poetics) ، وهَلُمَّ جَرًّا [4] ، ولا يخفى أنَّ هذه الصّيغ ما هي إلا جُموع لمصادرَ صناعيّة.
(1) ينظر: كيف تَكتبُ بحثًا أو منهجيّة البحث: 10 - 11.
(2) الأسس اللّغويّة لعلم المصطلح: 226.
(3) الأسس اللّغويّة لعلم المصطلح: 226.
(4) ينظر: منازل الرؤيّة - منهج تكاملي في قراءة النص: 58.