وجده في ذهنه، لا أنَّهُ قَصَدَ بالنّطق به نفي الحكم عن صور عَدَمِهِ، بل الحال تضطرّه للنّطق به. أمَّا إذا لم يكن غالبًا على الحقيقة لا يَلْزَمُها في الذّهن، فلا يلزم من استحضار الحقيقة المحكوم عليها حضورُهُ، فيكون المتكلّمُ حينئذٍ له غرضٌ في النّطق به وإحضارِهِ مع الحقيقة، ولم يكن مضطرًا لذلك بسبب الحضور في الذّهن، وإذا كان له غرض فيه، وسَلْبُ الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكونَ غرضه، فحملناه عليه، حتّى يصرّح بخلافه، لأنّه المتبادر للذّهن من التّقييد. فهذا هو الفرق بين القاعدتين، وسر انعقاد الإجماع على عدم اعتباره ... قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} (الإسراء: 31) ، ومفهومه: أنّكم إذا لم تخشَوا الإملاقَ لا يَحْرُمُ عليكم القتل، وهو مفهوم مُلغًى إجماعًا؛ بسبب أنَّهُ قد غلب في العادة أنَّ الإنسان لا يَقتل ولده إلاّ لضرورة وأمر قاهر ... فتقييد القتل بخشية الإملاق تقييد له بوصف هو كان الغالبَ عليهم في القتل في ذلك الوقت، فكانوا لا يقتلون إلاّ خوفَ الفقر أو الفضيحةِ في البنات» [1] .
ذَكَرَ القرافيّ في الفَرْق بين الاقتضاء والإضمار أنَّ الإضمارَ يُصَيِّرُ اللّفظَ مجازًا في التّركيب، نحو قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (يوسف: 82) ، فأتى بضمير أهلها، ومع عَدَمِهِ يصيرُ اللّفظ مجازًا في التّركيب. أمَّا الاقتضاء، فَذَكَرَ القرافيّ أنَّهُ قد يكون إضمارًا وقد يكون غيرَ إضمار، غيرَ أنَّهُ لا يوجبُ مجازًا في التّركيب، بل لازمًا للمعنى المنطوق به؛ إمَّا شرعًا، كما في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: 184) ، فإنّا نُضْمِر: (فأفْطَرَ) لقيام الدّليل على أنَّ القضاء لا يكون إلاّ مع الإفطار؛ وإمَّا عادةً، كما في قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} (الشّعراء: 63) ، فإنّا نُضْمِرُ: (فَضَرَبَ) ، لأنَّ الانفلاقَ مشروط بسببه عادةً، والضّربُ سبَبُه.
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق: 2/ 463 - 465.