-الفرق بين قولنا: (أحَدُ القَومِ جَالسٌ) ، و: (ما جاءَني أحَدٌ) ؛ أي: الفرق بين (أحَد) في حالة الإثبات، و (أحَد) في حالة النفي:-
قال القرافيّ: «قال النّحاة والأدباء: إذا قلنا: أحَدُ القومِ جالسٌ، فألِفُهُ منقلبة عن واو، ومُؤنَّثُهُ: أحَدٌ. وإذا قلنا: ما جاءَني أحَدٌ، فألفُهُ ليست منقلبةً عن واو، ولا يجوز استعماله في الثبوت، بخلاف الأوّل.
وورَدَ عليه سؤال مُشْكِلٌ، وهو أنَّ اللّفظينِ صورَتُهُما واحدة، ولفظ (الوَحْدَة) يتناولهما، والواو فيها أصليّة، فيلزم قطعًا أنَّ الألف فيهما منقلبة عن واو، وأن يكونا مشتَّقْينِ من (الوَحْدَةِ) معًا، أمَّا أنَّ أحدهما مشتقّ والآخر ليس بمشتقّ، فمُشْكِلٌ جدًا، وهو ترجيح من غير مرجِّح ... وعُرِضَ هذا السّؤال على جمع كثير من الفضلاء الأعيان، فأشْكَلَ عليهم، وأقمتُ مُدّةً وهو مُشْكِلٌ عَلَيَّ، ثم أطلعني الله على وجه الجواب عنه، وهو: أنَّ (أحدًا) في قولنا: ما جاءَني أحدٌ، الذي لا يستعْمَل إلا في النّفي، مُسَمّاه في اللُّغة إنسانٌ إجماعًا، ولذلك أحال النّحاة هذه المسألة في قولنا: ما كان مثلُك أحدًا، وقالوا: إنَّ المماثل لزيد إنسان قطعًا، فَسَلْبُ (أحد) عنه مع أنَّ معناه (إنسان) جمع بين النّقيضين، وأجازوا عكس هذه المسألة، وهو قولنا: ما كان أحدٌ مثلَك؛ فإنَّ النّفي والإثبات إنّما ينصرفان أبدًا للإخبار، فإذا نفينا مماثلة عن كلّ إنسان لم يكن ذلك محالًا؛ فإنَّهُ قد يكون أعلى النّاس رتبةً.
وإذا تقرّر أنَّ (أحدًا) هذا معناه: (إنسان) ، و (أحد) الذي يُسْتَعْمَلُ في الإثبات معناه: الفرد من العَدَدِ، الذي هو نصف الاثنينِ، وهو أبْيَنُ العَدَدِ، ومنه يتركَّب مراتبها، وهو نسبة خاصّة، وهو معنًى ذهنيّ لا خارجيّ؛ فإنَّ الأعداد كلّها وأجزاءَها أمور ذهنيّة، لا وجود لها في الأعيان، فهذا المُسمّى ليس بإنسان قطعًا، وإذا كان مُسمّى أحد اللّفظين غير مُسمّى الآخر في اللُّغة، مع أنَّ ضابط الاشتقاق: أن نجد بين اللّفظين مناسبة في المعنى والتّركيب، وحينئذٍ نحكم بالاشتقاق، كما قاله العلماء حيث حَدُّوْهُ وضبطوه، فإذا لم تحصل المشاركة في المعنى أو في اللّفظ كما في المترادفة كالحِنْطَة والبُرِّ، أو فيهما معًا كإنسان وفَرَس، بطل الاشتقاق قطعًا، وقد