وقد رتَّبَ البقّوريُّ (707 هـ) - كما مَرَّ بيانهُ - فروقَ القرافيّ في القواعد في ثلاث مجموعات؛ هي: القواعد النّحويّة وما يتعلّق بها، والقواعد الأُصوليّة، والقواعد الفقهيّة، مُقَدِّمًا لها بمجموعة من القواعد الكلّيّة، وهي ثلاثَ عشرةَ قاعدةً أفادَها من كتاب شيخِ القرافيّ: العِزِّ بن عبد السَّلام (660 هـ) الذي
عنوانُهُ (القواعد الكبرى) ، وبذلك أصبَحَتْ مجموعاتُ القواعد عنده أربَعًا، وترتيبُ البقّوريّ هذا سَهَّلَ مُهِمَّة رصد الفروق بين القواعد المتعلِّقة بعلوم اللُّغة، وإن كان التداخُلُ بينَ بَعض القواعد اللّغويّة والأُصوليّة كبيرًا إلى دَرَجةِ أنَّ قاعدةً ما قَد تُعَدُّ لغويَّةً وأُصوليّةً في آنٍ واحدٍ.
ذَكَرَ الدكتور طه محسن هذا الكتابَ بعنوان (تنقيح الفصول في الأُصول) ، ولعلّ التسميةَ الراجحةَ هي (تنقيح الفصول في علم الأُصول) ؛ لأنَّ هذا هو العنوانُ الذي اختارَهُ القرافيّ لمقّدمتِهِ الأُصوليّة، التي جَعَلها في فاتحةِ كتابهِ الفقهيّ (الذخيرة) ، ونَصَّ عليه بقوله: «وسمَّيْتُها: تنقيح الفصول في علم الأُصول، لِمَنْ أرادَ أن يكتبها وَحْدَها خارجةً عن هذا الكتاب» [1] .
وتُمثِّل هذه الرسالة مَظْهَرَ التّصنيف الأُصوليِّ الأصيلَ عند القرافيّ، وهي مقدّمة أُصوليّة أودَعَها القرافيّ فاتحةَ كتابِهِ (الذخيرة) الفقهيّ، وقد كان اقتضابُها داعيًا لأنْ سألَ القرافيّ تلاميذُهُ أن يَشْرَحَها، رَجاءَ تَمامِ الاستفادةِ منها [2] .
وقد بَيَّنَ القرافيّ سببَ جعل هذه المقدّمة الأُصوليّة في فاتحةِ مُصنَّفٍ فقهيٍّ فروعيٍّ؛ فقال: «المقدّمةُ الثانيةُ: فيما يتعيَّنُ أن يكونَ على خاطر الفقيه من أصول الفقه، وقواعد الشّرع، واصطلاحات العلماء، حتّى تُخَرَّجَ الفروعُ على القواعد والأُصول؛ فإنَّ كلّ فقهٍ لم يُخَرَّجْ على القواعد فليسَ بشيءٍ» [3] . ويتَّضح من هذا مدى
(1) الذّخيرة: 1/ 55.
(2) ينظر: شرح تنقيح الفصول: 2.
(3) الذّخيرة: 1/ 55.