وما ذلك عندي - والله أعلمُ - إلاّ لأنَّ لفظَ (الوَلَد) يدخُلُ فيه الذكَرُ والأنثى، فَيُنْفَى بنفيه كلّ مَن نُسِبَ إلى اللهِ، من الملائكة المُكْرَمينَ الذين سَمّاهم الكفارُ بناتِ الله، كما في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} (النحل: 57) [1] ، ومن الأنبياء المُصْطَفَيْنَ، كعُزَير والمسيح، بخلاف لفظ (الابن) الذي يدخُلُ فيه ما قيلَ بذكورته فقط.
تحدّث القرافيّ عن قوله عليه الصّلاة والسلام: «الأعمال بالنيّات» [2] ، وتساءَل عن سبب مجيءِ لفظ (الأعمال) دون ما يشابهه من الألفاظ، التي سَرَدَ منها عشرة، ثم شَرَعَ يوازن بينها قائلًا: «والفرق بينها: أنَّ (أثَّرَ) يصلح للإيجاد والإعدام. و (أوجد) : خاصّ بالإيجاد. و (خَلَقَ) : له معنيان؛ أحدهما: قَدَّرَ، وهو المراد بقوله تعالى: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} (الحشر: 23) ؛ والثاني: أوجَدَ ... فَخلْقُ الله تعالى: علمُهُ وقدرُهُ في الأشياء قبل وجودها، وإيجاد أبعاضها بردِّها وتكميل خلقها. و (فَعَلَ) : يظهر أنَّهُ مرادف لـ (أوجَدَ) ، وقيل: معناه: إذا أُريدَ تعظيمُ الأمر قيل: (عَمِلَ) ، وإن أُريدَ الاقتصار على تأثير الأثر قيل: (فَعَلَ) . وأمَّا (عَمِلَ) ، فقيل: معناه: فَعَلَ فِعلًا له شَرَف وظهور، وكذلك (فَعَلَ) إذا أُسْنِدَ ظهورُهُ للحسّ، ولذلك قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} (الفيل: 1) ، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} (الفجر: 6) ، ولم يقل: كيف عمل ربُّكَ؟؛ لأنّه أثرٌ فيه عقاب وانتقام، لا شرفٌ وتعظيم. وقال الله تعالى: {ممّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} (يس: 17) ، وأكثر ما وَرَدَ في القرآن الكريم من ذَكَرَ أفعال الخير بلفظ (عَمِلَ) ، لا بلفظ الفعل ... وأمَّا (صَنَعَ) ؛ فيُطلق على ما فيه قوّة في الإيجاد، ولذلك يقال: أرباب الصنائع، للحِرَف،
(1) ينظر: عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 1/ 363.
(2) هذا الحديث اتفق على روايته البخاريّ (256 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 1) ، ومُسْلِم (261 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 4904) ، ونَصُّه عند البخاري: «إنّما الأعمالُ بالنيّات، وإنّما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هِجْرَتُهُ إلى دُنيا يُصيبُها، أو إلى امرأةٍ يَنكِحُها، فهجرتُهُ إلى ما هاجَرَ إليه.» .