فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 462

لاحتياجها إلى مزيد قوّة، والكائنُ عن الصنع أبدًا يكون عظيمًا في نفسه، ولذلك قال الله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كلّ شَيْءٍ} (النمل: 88) ... وأمَّا (بَرَأ) ؛ فهو يختصّ بإيجاد الأجسام، وقد يضاف إليه أنَّها من التراب، ومنه: بريتُ القلمَ، أي: هَيّأْتُهُ على صور مخصوصة، ومنه قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} (البينة: 7) ، إن هُمِزَ فمن (البَرْء) الذي هو الإيجاد الخاصّ، أو لم يُهْمَزْ فمن (البرا) المقصور، الذي هو التراب. وأمَّا (دَرَأَ) ؛ فمعناه: الدَّفْع، ومنه قوله تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} (النور: 2) ، أي: يَدْفَع؛ فالإخراج من العدم إلى الوجود كالدفع من حيِّز العَدَم إلى حيِّز الوجود. وأمَّا (جَعَلَ) ؛ فله خمسة معانٍ، قال أبو علي الفارسي في (الإيضاح) [1] : (جَعَلَ) : بمعنى (فَعَلَ) ... وبمعنى (صَيَّرَ) ، ... وبمعنى (سَمّى) ... وبمعنى (قارَبَ) ... وبمعنى (ألقى) . وأمَّا (كَسَبَ) ؛ فمعناه: إيجاد الفعل على نوع من التعاطي والمحاولة، ولذلك يقال: الإنسان يكسب، ولا يقال لله تعالى: يكسِب» [2] ثم ذَكَرَ القرافيّ بعد ذلك أنَّهُ - وإن كان الأصلُ عدمَ التّرادف - لا يضرّ ورود بعض هذه الألفاظ مكانَ بعض لتقاربها في المعاني. ثم ختم كلامه بأنَّهُ قد بانَ بعد ما سبق أنَّ الأفضل «أن يقال: «الأعمال بالنيّات» ، دون: الأفعال بالنيّات؛ لأنّ التقدير في خبر المبتدأ المحذوف: الأعمال مُعْتَبَرة بالنيّات؛ وإنّما يُراد اعتبارُها إذا كانت تَصْلُحُ لله تعالى، ولا يَصْلُحُ له إلا ما كان شريفًا في نفسه» [3] . ثم بَيَّنَ القرافيّ أنَّ هناك ثمرةً فقهيّةً تنبني على هذا الفرق اللُّغويّ، إذ مَنَعَ بعض العلماء «من تناول الحديث الوضوءَ ... ، فقال: لا أُسَلِّمُ أنَّ الوضوء من الأعمال، بل هو من الأفعال ... وتقديرُه: أنَّ الطهارة شرط ووسيلة لا تُقْصَد في نفسها ... فليس فيه من الظهور والشرف ما في الصّلاة ونحوها، فلا نُسَلِّم اندراجه» ، ثم ذَكَرَ القرافيّ أنَّ هذا مَنْعٌ مشهور من الحنفيّةُ في مسألة اشتراط النيّة في الطهارة [4] .

ولي على كلام القرافيّ السابق ملاحظات، أُجْمِلُها فيما يأتي:-

(1) ينظر: الإيضاح مع شرحه (المقتصِد) : 1/ 239 - 240.

(2) الأُمنية في إدراك النيّة (في حقيقة النيّة) : 13 - 16.

(3) الأُمنية في إدراك النيّة (في حقيقة النيّة) : 16.

(4) ينظر: الأُمنية في إدراك النيّة: 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت