لم تختلف مناهِجُ مُعْظَم المشتغلينَ في الفروق اللّغويّة ممّن جاؤوا بعد القرافيّ اختلافًا كبيرًا عن المناهج الموروثةِ التي كانت سائدةً قبلَهُ. وإنَّه لمِمّا يُؤْسَفُ عليه أنَّ هؤلاء لم يتوقَّفوا طويلًا أمام تجربة القرافيّ العلميّة، ليستخلصوا منها ما قد يُمِدُّ جهودَهم بأسباب الحياة، ويجعلها حلقةً في سلسلة تطوّريّة لا تَعْرِفُ الوقوفَ، فضلًا عن التراجُع إلى الوراء.
فالذي حَدَثَ هو أنَّ هؤلاء الخالِفينَ نَكَصوا على أعقابِهم؛ يقتاتون على مناهج الأسلاف، ويجتّرون ما عندهم، حتّى لَيكادُ المطالِعُ لما كتبوا في الفروق اللّغويّة لا يَجِدُ إضافةً إبداعيّة حقيقيّةً لما أنتَجَهُ القدماءُ، بل - على العكس من ذلك - قد يَفْتَقِدُ في إنتاجِ المتأخرينَ ما كان يَجدُهُ عند أسلافِهِم من رونَق الرِّيادة، وألَقِ البداية. ولم يَسْلَم مِن غائِلَةِ التقليدِ إلاّ نَفَرٌ قليلٌ، هَضَموا ما ورثوهُ عن القدماء، وتمثَّلوهُ جيِّدًا، فكان لهم مِن هذا وذاكَ زادٌ ثقافيٌّ مَكَّنَهُم مِن مواصَلَة طريقِ الإبداع في مجال الفروق اللّغويّة.
وفيما يأتي تعريجٌ سريعٌ على أبرز ما شاعَ من إنتاج في الفروق اللّغويّة بعد القرافيّ، تَعْقُبُهُ وَقفةٌ متأمّلةٌ في تجربة ابن قيِّم الجوزيَّة (751 هـ) في هذا الشأن، التي أعُدُّها من الاستثناءات القليلة التي فارَقَتْ طريقَ التقليدِ، فكانتْ حلقةً فاعِلَةً في سلسلة الاغتراب الإبداعي في الفروق اللّغويّة.
أوَّلًا: كتب الفروق في المُفْردَات:-