قال القرافيّ: «قال العلماء: فرقت العرب بين قولنا: ما الزّوجُ؟، وبين قولنا: أفْهِمْني ما الزّوجُ؛ فالأوّل: طَلَبُ الحقيقةِ، والثاني: طَلَبُ فِعْلٍ يَصْدُرُ من المخاطَب. فإذا قال السّيد لعبده: مَنْ بالباب؟، فقال غيرُ ذلك العبدِ: زيدٌ بالباب، حَصَل مقصودُ السّيد ولا عتبَ على العبدِ الأوّلِ؛ فإنَّ المقصودَ إنّما هو تحصيلُ فَهْمِ مَنْ بالباب. وإذا قال لِعبدِهِ: اسقني ماءً، فسقاهُ غيرُ ذلك العبدِ المأمورِ، توجَّهَ العتبُ على الأوّل؛ لكون صيغة الأمرِ موضوعةً للتّكليف والإلزام الذي من شأنِهِ العتبُ على تقدير التَّرك. هكذا نَقَلَهُ الأئمّة عن اللُّغة [1] في الفرق بين الاستفهام والأمر، ... فلذلك قيل في حد الاستفهام: طَلَبُ حقيقةِ الشيء.» [2] .
قال القرافيّ: «قال الأُدَباءُ: أصلُ التّشبيهِ: زيدٌ كالأسدِ، وفي الرتبةِ الثّانيةِ: زيدٌ الأسدُ، وفي الرتبةِ الثّالثةِ: الأسَدُ كزيدٍ، وفي الرتبة الرّابعةِ: الأسدُ زيدٌ.
ووجهُ المبالغةِ: أنَّ مع حَذْفِ الكافِ جُعلَ زيدٌ نفسَ الأسدِ، وهو أبلغُ من تشبيهه به؛ لأنَّ المُشَبَّهَ أقْصَرُ رُتبةً من المُشَبَّهِ به. ثمّ إذا عَكَسْنا القضيّةَ صَيَّرْنا الأسدَ يُشبِهُ زيدًا، فهو أبلغ في شجاعة زيد، ومن هذا الباب مكانٌ ورد في السّنّة الصحيحة في (مُسْلم) وغيرِهِ، ظلّ يجهله كثير من غلاة الصوفيّة، واعتَقَدوا الاتّحادَ في حقّ الله تعالى وفي حقّ صفاته العُلا، وهو قولُهُ عليه السّلام - حكايةً عن الله تعالى: «ما تَقَرَّبَ إليَّ أحَدٌ بمثل أداءِ ما افترضْتُ عليه، ولا يزال يتقرّب إليَّ بالنوافِلِ حتّى أُحِبَّه؛ فإذا أحبَبْتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَه الّتي يَبْطِشُ بها» [3] . فقال أهل الضّلال: أخبر الله تعالى أنَّ ذاتَهُ تعالى تَصير صِفاتِ العَبيدِ. ووَجْهُ تقرير الحديث: أنَّ أصلَ الكلامِ: فإذا أحبَبْتُهُ صار سَمْعُهُ
(1) الأصَحُّ أنَّ يقالَ: هكذا نَقَلَهُ الأئمّة عن رواة اللُّغة، أو ما أشْبَهَ ذلك.
(2) شرح تنقيح الفصول (في أسماء الألفاظ) : 41.
(3) روى هذا الحديثَ البخاريّ (256 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 6502) .