قال القرافيّ: «قالَ [1] : إنَّ محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - لم يُبعَثْ إلينا فلا يجبُ علينا اتّباعُهُ ... لقولِهِ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (إبراهيم: 4) ، ... ولا يَلْزَمُنا إلا مَنْ جاء بلساننا، وأتانا بالتوراةِ والإنجيلِ بلغاتِنا. الجوابُ: ... أنَّ الحكمةَ في أنَّ اللهَ تعالى إنّما يَبْعَثُ رُسُلَه بألسنةِ قومِهِم ليكونَ ذلك أبلغَ في الفهمِ عَنْه ومِنْه، وهو أيضًا يكونُ أقربَ لفهمِهِ عنهم جميعَ مقاصِدِهم في الموافقة والمخالفة؛ ... فإنَّ مقصودَ الرسالةِ في أوَّلِ وَهلةٍ إنّما هو البيانُ والإرشادُ، وهو مع اتّحاد اللُّغة أقربُ ... فإذا تَقَرَّرَتْ نبوةُ النبيّ في قومِهِ قامت الحجةُ على غيرهم؛ فإنَّ أقاربَ الإنسانِ ومخالطيه المطلعين على حالِهِ والعارفين بوجوه الطعن عليه - أكثر من غيرهم - إذا سَلَّموا ووافقوا فغَيْرُهُم أولى أن يُسَلِّم ويوافق. فهذه هي الحكمة في إرسال الرسول بلسان قومه ومن قومه، لا أنَّ المقصودَ ألاّ يتعدى برسالته لغيرِ قومِهِ. وفرقٌ بينَ قولِهِ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (إبراهيم: 4) ، وبينَ قولِهِ [2] : وما أرْسَلْنا من رسولٍ إلا لقومِهِ؛ فالقول الثاني هو المفيدُ لاختصاصِ الرسالةِ بهم لا الأوّلُ، بل لا فرق بين قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} وبين قولهِ: وما أرسلنا من رسولٍ إلاّ مُكَلّفًا بهداية قومه؛ فكما أنَّ الثاني لا إشعارَ له بأنَّهُ
(1) أي النصراني.
(2) قد تُتَوهَّم عودة الهاء على الله تبارك وتعالى، وهذا غيرُ مُرادٍ قطعًا، لذا كان الأصحّ أنَّ يُقال: وبينَ قولِ القائل، أو: وبينَ أنَّ يُقالَ، منعًا للإلباس.