آخِرُهُ، فصياحُ أهل النّار كذلك. وقيل: الزّفير: مأخوذ من الزَّفْرِ، وهو الشِّدَّةُ، والشّهيق: مأخوذ من قولهم: جَبَل شاهِق.» [1] .
ولَعَلَّ في الفقرة الأخيرة التي ذَكَرَ القرافيّ فيها الأُصول الاشتقاقيّة للكلمتينِ ما يُلقي الضوءَ على الفرق بينهما؛ فقوله: «الزَّفْر، وهو الشِّدَّة» فيه بعض التّجوّز؛ إذ إنَّ الأصلَ فيه هو الحِمْلُ، ومنه: الزّافِرَةُ: عَشيرةُ الرجُل؛ لأنّهم قد يتحمَّلونَ بعضَ ما ينوبُهُ، والزِّفْر: القِرْبَة، ومنه قيل للإماء التي تَحْمِلُ القِرَبَ: زوافِر [2] . ويقترن التَّحمّل بالمشقَّةِ والشِّدَّةِ، وكُلُّ هذا في الزفيرِ عند خروج النَّفَس، ولذلك «قيل: هو ترديد النَّفَس حتّى تنتفِخَ الضلوعُ. وازْدَفَرَ فلانٌ .. ، أي: تَحَمَّلَهُ بمَشَقَّةٍ، فتردَّدَ فيه نَفَسُهُ» [3] . وأمَّا الشّهيقُ؛ فـ «الشّين والهاء والقاف أصل واحد يَدُلُّ على عُلُوّ؛ من ذلك: جَبَل شاهِق، أي: عالٍ، ثُم اشْتُقَّ من ذلك الشهيقُ، ضِدّ الزفير؛ لأنَّ الشّهيقَ رَدُّ النَّفَس، والزّفير إخراجُ النَّفَس.» [4] .
ويبدو أنَّ صفة العُلُوّ هي التي جَعَلَتْ بعضَهم يقرن الشّهيق بصوت الباكي الذي يصيح في بكائه، وبعضَهم الآخرَ يقرن الشّهيق بالصدْر الذي يعلو عند القيام بعمليّة الشّهيق؛ فـ «كلُّ شيء ارتفعَ فقد شَهَقَ؛ يقال: شَهَقَ يَشْهَقُ، إذا تَنَفَّسَ عاليًا» [5] .
ذَكَرَ القرافيّ أنَّ الأوقاتَ مأخوذة من التّوقيت، وهو التّحديد، وأنَّ الزّمان سُمِّيَ وَقْتًا لَمّا حُدِّدَ بفعلٍ مُعَيَّنٍ؛ فكلُّ وقتٍ زمانٌ، وليسَ كلّ زمانٍ وَقتًا [6] .
(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء: 417.
(2) ينظر: معجم مقاييس اللُّغة: 3/ 14 - 15.
(3) عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1116.
(4) معجم مقاييس اللُّغة: 3/ 222 - 223.
(5) عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1382.
(6) ينظر: الذّخيرة (كتاب الصلاة) : 2/ 10.