قال القرافيّ: «فالتّطير هو: الظّنّ السَّيّئُ الكائن في القلب، والطِّيَرَةُ ...: الفِعْلُ المرتّب على هذا الظّنّ من فِرار أو غيره. وكلاهما حرام، لِما جاء في الحديث الصحيح أنَّهُ صلّى اللهُ عليه وسلّم كان يُحب الفألَ الحَسَنَ، ويكرهُ الطّيرةَ [1] ... وأمَّا الفألُ، فهو ما يُظَنُّ عنده الخيرُ، عكس الطّيرة والتّطيّر.» [2] .
لم يستند القرافيّ فيما ذكره من الفرق بين التَّطَيُّر والطِّيَرَةِ إلى أساس لغويّ مكين كما فعل بعض أهل اللُّغة ولاسيَّما المعجميّينَ منهم كما سيأتي بيانُهُ، وقد ذَكَرَ ابن قتيبةَ (276 هـ) أنَّ صيغة (فِعَلَة) لم تأتِ في الواحد إلاّ قليلًا، وأنَّ حَقْلَ هذه الصيغة تمثله مجموعة صغيرة من الألفاظ؛ فقال: «قالوا: لم يأتِ (فِعَلَة) في الواحد إلا قليلًا؛ قالوا: (التِّوَلَة) لضرب من السِّحْر، و: هذا سَبْيٌ (طِيَبَةٌ) ، وتقول: إيَّاكَ و (الطِّيَرَةَ) ، و: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - خِيَرَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ» [3] . وقد جاء في المُعْجَم أنَّ صيغة (تَفَعُّل) من الجذرين (خَيَرَ) و (طَيَرَ) تَدلّ على الفِعل، أمَّا صيغة (فِعَلَة) منهما فتدلّ على الاسم؛ جاءَ في (مختار الصّحاح) تحت مادّة (خ ي ر) : «والخِيَرَةُ - بوزن العِنَبَة: الاسمُ من قولك: اختارَ اللهُ تعالى؛ يقال: محمّدٌ خِيَرَةُ اللهِ من خَلْقِهِ ... والاختيارُ: الاصطفاءُ، وكذا: التَّخَيُّر.» [4] .
وجاءَ فيه تحت مادّة (ط ي ر) : «وتَطَيَّرَ من الشّيءِ وبالشّيءِ، والاسمُ: الطِّيَرَةُ - بوزن العِنَبَة -، وهو ما يُتَشَاءَمُ به من الفأل الرديء» [5] .
(1) روى البخاري (256 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 5754) - واللفظُ له -، ومُسْلِمُ (261 هـ) في صحيحهِ (الحديث رقم 5759) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا طِيَرَة، وخَيرُها الفأْلُ» . قالوا: وما الفألُ؟. قال: «الكلمةُ الصالحةُ يَسْمَعُها أحدُكُم.» .
(2) أنوار البروق في أنواء الفروق: 4/ 1367 - 1371. وينظر: الذّخيرة: 13/ 254.
(3) أدب الكاتب: 595.
(4) مختار الصحاح: 81.
(5) مختار الصحاح: 169.