فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 462

هـ. الفرق بين:(الإرادة)، و(الطلب):-

ذَكَرَ القرافيّ هذا الفرق في معرض رَدِّهِ على قول الفخر الرّازيّ (606 هـ) : الإرادةُ جِنْسُ الطلب، فَرَدَّ القرافيّ ذلك بأنّ هذا لا يُسَلَّمُ له؛ بل الإرادة مخالِفَة للطلب مخالفةً شديدةً؛ فالإرادةُ تُرَجِّحُ أحَدَ طَرَفَي الممكن، والطلبُ لا يُرَجّحُهُ، والإرادةُ يجب وقوعُ متعلّقها، والطلب لا يجب فيه ذلك، والإرادة تتعلّق بالأفعال والذوات الممكنة، والطلب لا يتعلقُ إلاّ بالأفعال [1] .

وقد فَرقَ ابنُ إمام الكامليّة (874 هـ) [2] بين الطلب والإرادة بقوله: «والطلبُ غيرُ الإرادة؛ خلافًا للمعتزلة في أنَّ ماهيّة الطلب هي إرادة المأمور به [3] ؛ فالطلب معنًى قائم بالنفس ... ، والإرادة: ... تحصيل المراد من القوّة إلى الفعل. فمعنى الإرادة أخصّ، ومعنى الطلب أعمّ؛ فكلّ مراد مطلوب، وليس كلّ مطلوب مرادًا.» ، ثم استدلّ على هذا الفرق بأنّ الإيمان من الكافر الذي عَلِمَ اللهُ أنَّهُ لا يؤْمِنُ - كأبي لهب - مطلوب بالاتفاق، مع أنَّهُ ليسَ بمرادٍ لله تعالى، لأنّ الإيمان - والحَالةُ هذهِ - ممتنع، لأنّ خلافَ علمِ الله تعالى لا يقع قطعًا [4] . فقد جعل ابن إمام الكامليّة الطلبَ أعمّ من الإرادة، لأنّ متعلّقه لا يجب وقوعه، بخلاف الإرادة، وهذا هو ما ذكره القرافيّ أيضًا.

والحَقُّ أنّ الطَّلَبَ بهذا المعنى يُمَثِّلُ أحَدَ نوعينِ للإرادة ذكرهما العلماء، وهو: الإرادة الدينيّة، أمَّا الإرادة التي ذكرها القرافيّ وابن إمام الكامليّة فتمثِّلُ النوعَ الآخَرَ منهما، وهو: الإرادة الكونيّة؛ فالإرادة الدينيّة لا يجب وقوع متعلّقها لأنّها محبّةُ المُرادِ

(1) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في أن الطلب غيرُ الإرادة) : 3/ 1197.

(2) هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن منصور، الكمال، أبو محمد بن الشمس بن التاج بن النور، القاهري الشافعي. برع في أُصول الفقه، والحديث، والفقه، والتفسير. من أهم كتبه: (شرح الورقات للجويني) ، و (شرح مختصر ابن الحاجب) ، و (شرح منهاج الوصول إلى علم الأُصول للبيضاوي) . (ينظر: مقدمة تحقيق شرح الورقات: 16 - 39) .

(3) أي: لا معنى لكونه طالبًا إلاّ كونه مريدًا، والتزموا أن الله تعالى يريدُ الشيءَ ولا يقع، ويقع وهو لا يريده.

(4) ينظر: تيسير الوصول إلى منهاج الأُصول من المنقول والمعقول: 3/ 139 - 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت