وأمَّا قول ابن العربيّ - فيما ينقله عنه القرافيّ: «رأيتُ رَأْيًا: إذا اعتقدتَ بقلبك» ؛ فليس على إطلاقه؛ إذ قد تأتي لفظة (رَأْي) لغير ذلك، قال السَّمين الحلبيّ: «واعلَمْ أنَّ (رأى) لفظ مشترك بين معنى (رأى) بمعنى: (أبصَرَ) ، وبمعنى: (عَلِمَ) ، وبمعنى: (ظَنَّ) ، وبمعنى (حَلَمَ) - في المنام -، وبمعنى: (صِرْتُ رِئْيَهُ) . وقد يتميّز بعضها بالمصدر؛ فمصدر البصريّة: (رُؤْية) ، والحُلُميّة: (رُؤْيا) ، و (الرّأْيُ) لغير ذلك، وقد يجيءُ في البَصَريّة، كقوله: {رَأْيَ العَيْنِ} (آل عمران: 13) ، ولذلك أضافَهُ للعَيْنِ لَمّا كان على خلافِ الأصل.» [1] .
قال القرافيّ: «الصّفات تارة تكون بلفظ التّذكير، كقولنا: وجَلال اللهِ، وعَلاءِ اللهِ، وتارةً تكون بلفظ التأنيث، كقولنا: وعزّةِ اللهِ، وعَظَمَةِ اللهِ تعالى. فأمّا لفظ التّذكير، فلا كلامَ فيه هاهُنا، وأمَّا لفظُ التّأنيث بالهاء، فإنَّهُ مُشْعِر بشيء واحد ممّا يَصْدُقُ عليه. ولذلك تفرق العرب بين قول القائل: عَزَّ زيدٌ عِزًّا، وعَزَّ عِزَّةً؛ فالأوّل يحتمل جميع أنواع العزّة مفردةً ومجموعةً ... ، وأمَّا اللّفظ الثّاني، وهو: عَزَّ زيدٌ عِزَّةً، فإنَّهُ لا يتناول - لغةً - إلاّ فردًا واحدًا من العزة؛ إمّا بماله، أو بجاهه، أو بسطوته، أو بغير ذلك من أسباب العزة ... وأمَّا لفظ (العَظَمة) ، فإنّ بينه وبينَ لفظ (العِزَّة) فرقًا؛ فإن العرب تقول: عَظُمَ زيدٌ عَظَمَةً، في غالب استعمالهم، فكأنّه هو المصدر المتعيِّن دون (عظمًا) - بغير تاء التأنيث -، وأمَّا (عَزَّ عِزًّا) فمشهور. ولا يُنْطَق بهاء التّأنيث إلاّ إذا قُصِدَت الوَحدة، نحو: ضَرَبَ ضَرْبةً، فلا يتناول إلاّ ضَرْبةً واحدةً، كذلك (عِزَّة) لا يتناول إلاّ عزّةً واحدةً.» [3] .
(1) عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 969.
(2) ارتأيتُ إيداع هذا الفرق هنا، على الرغم من أن الفرق بين (العزة) و (العظمة) (وهو الشق الثاني من الفرق) يَصْلُحُ لأن يودَعَ في الفروق بين المفردات - تغليبًا مِنّي للشق الأول من الفرق (وهو الفرق بين العِز والعِزَّة) على الآخر؛ لأهميته في نفسه من حيث تعلقه بدقيقة من دقائق فلسفة اللُّغة، ولمزيد اعتناء القرافيّ به.
(3) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق بين قاعدة ما يوجب الكفّارةَ بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث، وبين قاعدة ما لا يوجب كفّارةً إذا حَلَفَ به من ذلك) : 3/ 784 - 785.