إنَّ قول القرافيّ: «ولا يُنْطَقُ بهاء التّأنيث إلاّ إذا قُصِدَت الوَحْدَة، نحو: ضَرَبَ ضَرْبَةً ... ، كذلك (عِزَّة) لا يتناول إلاّ عِزَّةً واحدةً» قد يوهِمُ - للوهلة الأولى - خلطًا بين صيغتين؛ إحداها: للوَحْدَةِ (أو المَرَّة) أصالةً، وهي صيغة (فَعْلَة) ، والأُخرى: للهيئة أصالةً، وهي صيغة (فِعْلَة) ، غيرَ أنَّ هذا الوَهمَ سرعانَ ما يتبدّد عندما يُعْلَم أنَّ القرافيّ فرقَ بين الصيغتينِ بما لا يَسْمَحُ بالخَلْطِ بينَهما في فَرْقٍ مستقلّ ذَكَرْتُهُ في البحث.
وقد ذَكَرَ علماء التّصريف قاعدةً يمكن أن نُفيدَ منها هنا؛ وهي أنَّ مصدر الفعل الثّلاثيّ المُجَرَّد الذي فيه تاءٌ، نحو: طِلْبَة، ونِشْدَة، وكُدْرَة، يُسْتَعْمَل «على حالِهِ للمرة والنوع، ويُفَرَّقُ بين المرة والنوع بقرينة لفظيّة، نحو: نَشَدتُ نَشْدَةً واحدةً، أو نوعًا؛ نحو: نِشْدَةَ سوءٍ، أو نِشْدَةَ لُطْفٍ، أو بقرينةٍ معنويّة» [1] . فيمكن - على هذا - الاكتفاءُ بالمصدر (عِزَّة) في التّعبير عن المرّة أو الهيئة على حد سواء، وتكون القرينةُ اللّفظيّة أو المعنويّة هي المعيِّنَة للمُراد. وممّا قد يؤكِّدُ ما سبق ذكرُهُ أنَّ سيبويه (180 هـ) ذَكَرَ أنَّ (الفِعْلَة) قد تأتي غيرَ مُرادٍ بها معنى الهيئة؛ فقال: «وقد تجيءُ (الفِعْلَةُ) لا يُرادُ بها هذا المعنى؛ وذلك نحو: الشِّدَّة، والشِّعْرَة، والدَّرْيَة، وقد قالوا: الدِّرْيَة ... ، وتقول: هو بِزِنَتِهِ ... ، وتقول: العِدَّة، كما تقول: القِتْلَة، وتقول: الضِّعَة، والقِحَة ... لا تريدُ شيئًا من هذا، كما تقول: الشِّدَّة، والدِّرْيَة، والرِّدَّة، وأنت تريدُ الارتداد.» [2] .
ويبدو أنَّ القرافيّ كان يَنْظُر هنا إلى اسم المرّة في ضوء مفهوم اسم الجنس الجمعيّ الذي يُمَيَّزُ بَيْنَهُ وبينَ مُفْرَدِهِ بالتاء، وهو ما ذَكَرَهُ القدماءُ صراحةً؛ إذ قال سيبويه (180 هـ) : «فإذا جاؤوا بالمرّة جاؤوا بها على (فَعْلَة) ، كما جاؤوا بـ (تَمْرَة) على (تَمْر) ، وذلك: قَعَدتُ قَعْدَةً، وأتَيْتُ أتْيَةً» [3] ، فـ (العِزُّ) - على هذا - كاسم الجنس الجمعيّ، وقد مُيِّزَ بينَه وبين مُفْرَدِهِ (العِزَّة) بالتاء.
(1) شرح شافية ابن الحاجب: 1/ 310.
(2) الكتاب: 4/ 44 - 45.
(3) الكتاب: 4/ 45.