الصِّناعات تدلُّ أيضًا على الآلة والأداة؛ فكأنَّها تأنيث صيغة (فِعَال) الدّالّةِ على الآلةِ أو ما يُشبِهُها، كالحِزامِ، والنِّطاق، والبِساط، واللِّباس، والرِّباط، والعِقال، ونحوها. وذَكَرَ الكرمليّ نظائِرَ لـ (الفِعَالَة) التي للآلة، نحو: الخِزانَة، والكِنَانَة، والقِلادَة، والحِمالَة، والرِّفادَة، والسِّقايَة، وغيرِها [1] .
غيرَ أنَّ ما سبق لا يمنع توسُّعَ اللُّغة - في بعض الأحيان - في إحلال إحدى الكلمتين محلَّ الأُخرى عند إرادةِ معنى السريرِ الذي يُحْمَل عليه الميّتُ [2] . وفي ضوء هذا، يمكن توجيهُ وَضْعِ ابنِ السِّكِّيتِ (244 هـ) (الجِنَازةَ) و (الجَنازَةَ) كلتيهما في باب ما تجيءُ فيه الفَعَالَةُ والفِعَالَةُ بمعنًى واحدٍ، وقولِ ابنِ قتيبةَ (276 هـ) في (باب ما جاءَ فيه لغتان استَعْمَلَ الناسُ أضعَفَهما) : «ويقولون: (الجَنَازَة) ، والأجْوَد: (الجِنازَة) .» [3] .
قال القرافيّ: «ضَبْطُ الصِّيَغِ لاختلافِ المعاني في قولِ الشاعرِ:
الفَعْلَةُ للمرّةِ والفِعْلَةُ للحالَهْ ... والمَفْعَل للبُقْعَةِ والمِفْعَلُ للآلَهْ
بفتح الأوّل من (الفَعْلَة، والمَفْعَل) ، وكسر الآخَرَيْنِ.» [4]
وقد فات القرافيَّ أن يَذْكُرَ أنَّهُ قد يكون كلّ من «فِعْلَة وفَعْلَة مصدرًا كسائر المصادر، كالرَّحمةِ، والشِّدَّة» [5] . وقد أشار إلى شيء من هذا سيبويه بقوله: «هذا باب ما تجيءُ فيه الفِعْلَةُ تريد بها ضربًا من الفعل، وذلك قولك: حَسَنُ الطِّعْمَةِ، و: قَتَلْتُهُ قِتْلَةَ سوءٍ، و: بِئْسَتِ المِيْتَةُ، وإنّما تريدُ الضَّربَ الذي أصابَهُ من القَتْلِ، والضَّربَ الذي هو عليه من الطعم. ... وقد تجيء الفِعْلَةُ لا يُرادُ بها هذا المعنى؛ وذلك نحو:
(1) ينظر: نشوء اللُّغة العربيّة ونموُّها واكتهالُها: 115 - 116.
(2) ينظر: شرح الفصيح للزمخشري: 2/ 445.
(3) أدب الكاتب: 421 - 424.
(4) القواعد الثلاثون في علم العربيّة: 239.
(5) معاني الأبنية في العربيّة: 38.