على أنّي لا أرى تعارضًا بينَ ما ذكره ابنُ مكّيّ ومِنْ بَعْدِهِ القرافيّ وما ذَكَرَهُ الآخَرونَ؛ فما ذكراه يَنْسَجِمُ مع الأصل الذي جاءت بِهِ صيغتا (فِعالة) و (فَعالة) من الأبعاد الدّلاليّة في الكثير من الموادّ اللّغويّة التي صيغَتْ على وَفقِهِما، وما ذكره الآخرونَ يُنْظَر إليه من زاوية اتّساعِ اللُّغةِ في إحلالِ الكثير من الصّيغِ بعضِها محلَّ بعضٍ. على أنّي رأيتُ القرافيّ - في موضعٍ آخَرَ - يُعَرِّج على الفرق بين (الجِنازَة) - بالكسر -، و (الجَنَازَة) - بالفتح - من غير استصحابٍ لِشَيءٍ من القواعِدِ المذكورة آنفًا؛ إذ قال - نقلًا عن بعض العلماء: «الجِنازَةُ - بكسرِ الجيم: الميتُ على الّسريرِ، وإذا لم يَكُنْ عليه ميتٌ فهو سريرٌ ونعشٌ، والعامَّة بفتحِ الجيمِ. قال عياضٌ: الفتحُ والكسرُ معًا للميتِ. وقيلَ: للميتِ بالفتحِ، والسريرُ بالكسر؛ فالحركةُ العليا للأعلى، والسفلى للأسفل.» [1] .
ويبدو أنَّ القول الأخير هو الذي عليه حُذّاقُ اللُّغويّينَ؛ إذ قال الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ (175 هـ) بعدَ أن ذَكَرَ أنَّ (الجَِنازة) - بفتح الجيم وكسرها - تقال للإنسان الميت: «وقومٌ يُنكرون الجِنَازَةَ للميّتِ، يقولونَ: الجِنازَة - بكسر الصّدر: خشبة الشَّرْجَع، وإذا ماتَ فإنّ العربَ تقولُ: رُمِيَ في جِنازَتِهِ. وقد جرى في أفواه العامّة (الجَنَازَة) - بنصب الجيم -، والنَّحاريرُ يُنكرونَه» [2] . ومِمَّن صَرَفَ (الجِنَازَة) للسّرير، و (الجَنازَة) للميّت - غيرَ الخليلِ: ابنُ دُرُسْتَوَيْه (337 هـ) [3] ، وأبو عُمَرَ الزّاهد (345 هـ) [4] [5] ، والزّمخشريُّ (538 هـ) [6] . وقد عثرتُ على نصٍّ قيِّم للأب أنستاس ماري الكرمليّ قد يفيدُ في تفسير صَرْف (الجِنازَة) - بالكسر - للآلة التي يوضع عليها الميّت؛ فقد ذَهَبَ إلى أنَّ صيغة (فِعَالَة) الدّالّةَ - غالبًا - على
(1) الذّخيرة (صلاة الجنازة) : 2/ 444.
(2) كتاب العين: 160.
(3) ينظر: تصحيح الفصيح وشرحه: 295.
(4) هو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد المطرّز اللُّغويّ، غلام ثعلب. بَرَعَ في اللُّغة والعربيّة، ومن أهم كتبه: (اليواقيت) ، و (شرح الفصيح) ، و (فائت الفصيح) ، و (المداخل) . (ينظر: بغية الوعاة: 1/ 164 - 166) .
(5) ينظر: فائت الفصيح: 43.
(6) ينظر: شرح الفصيح: 2/ 445.