فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 462

ذ. الفرق بين:(الغِيبَة)، و(اللَّمز)، و(النميمة)، و(الهَمْز):-

قال القرافيّ: «قال صلّى الله عليه وسلّم: «الغِيبةُ أن تَذْكُرَ في المرءِ ما يَكرهُ إن سَمِعَ» . قيل: يا رسول الله، وإن كان حقًا؟. قال: «إن قلتَ باطلًا فذلك البهتان.» [1] ، فدلَّ هذا النّصّ على أنَّ الغيبة هي: ما يكرهه الإنسانُ إذا سَمِعَه، وأنَّه لا يُسمّى غيبةً إلا إذا كان غائبًا، لقوله: «إن سَمِعَ» ، فدلَّ ذلك على أنَّهُ ليس بحاضر، وهو يتناول جميع ما يكره؛ لأنّ (ما) من صيغ العموم ... . وإنّما حُرِّمَتْ لما فيها من مفسدة إفساد الأعراض. والنميمة: أن ينقل إليه عن غيره أنَّهُ يتعرَّض لأذاه، فحُرِّمَتْ لما فيها من مفسدة إلقاء البغضة بين الناس، ويستثنى منها النصيحة؛ فيقول له: إنَّ فلانًا يقصد قَتْلَك، ونحو ذلك، لأنّه من النّصيحة الواجبة ... والهَمْز: تعييبُ الإنسانِ بحضوره، واللَّمْز هو تعييبه بغَيْبَتِهِ، فتكون هي الغِيْبَة، وقيل بالعكس.» [2] .

وفي كلام القرافيّ الأخير نقطتان تُعْوِزُهُما الدقّة؛ الأولى: قوله باحتمال ترادف اللمز والغِيْبَة؛ والأُخرى: قوله بإمكان التبادل الدّلاليّ بين (الهَمز) و (اللّمز) .

وسأذكر ما وقفْتُ عليه من كلام أهل العلم ممّا يُلقي الضوء على الفرق الدّقيق بين (الهمز) و (اللمز) ، ثم أبَيِّنُ - في ضوء ما يَتَحَصَّلُ من ذلك - علاقَتَهما بالغِيْبَةِ.

فقد ذَكَرَ أبو هلال العسكريّ (400 هـ) أنَّ اللّمز أجهر من الهمز؛ ولذلك جاء في القرآن: {هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} (المؤمنون: 97) ، ولم يُقَل: لَمَزات؛ لأنّ مُكايَدَةَ الشيطان خفيّة [3] . فالهمز واللمز يشتركان في الأصل اللُّغويّ الذي هو: «الدَّفْعُ؛ يُقال: هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ، أي: دَفَعَهُ؛ كأنّه يَدْفَع بذلك في صَدْر مَن يَعيبُهُ» [4] ؛ غيرَ أنَّ الهمز يَغْلِبُ عليه الخفاء - كما ذكرنا -، ولذا استُعْمِلَ في نَزْغِ الشيطان وهَمْسِهِ،

(1) روى هذا الحديثَ مسلم (261 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 6536) ، ونَصُّهُ عنده: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتدرون ما الغيبة؟» . قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلم. قال: «ذِكْرُكَ أخاك بما يَكْرَه» . قيل: أفرأيْتَ إن كان في أخي ما أقول؟. قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبْتَه، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّهُ» .

(2) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدة الغِيْبَة وقاعدة النميمة والهمز واللمز) : 4/ 1338 - 1342، وينظر: الذّخيرة: 13/ 241.

(3) ينظر: الفروق اللّغويّة: 65.

(4) عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 4/ 2404.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت