البَدْرُ، سوى تقديمِ المسند إليه في الجملة الأُولى، وتأخيرهِ في الثانية، وتقديمُ المسنَد إليه - عندَهُ - لا يُغَيّر من طبيعة الجملة، لأنَّه إنّما قُدِّمَ للاهتمام به، لذا كانت الجملتان عنده فعليّتين [1] . وذَهَبَ المستشرق الألمانيّ برجشتراسر نحوَ هذا المذهب؛ إذ قال: «والجملةُ مركّبة من مسند ومسندٍ إليه؛ فإن كان كلاهما اسمًا أو بمنزلة الاسم، فالجملةُ اسميّة، وإن كان المُسْنَد فعلًا أو بمنزلة الفعل، فالجملة فعليّة.» [2] .
والرّاجحُ عندي - وهو ما رجّحه الدكتور فاضل السّامرائيّ - أنَّ نحوَ (محمّد يَحْضُرُ) جملة اسميّة لا فعليّة؛ وذلك لجواز دخول النّواسخ عليها، وهي لا تدخل إلاّ على الجمل الاسميّة، نحو: (إنَّ محمّدًا يَحضُرُ) ، ولو كانت الجملة فعليّة لم تدخل عليها النّواسخ. فإن قيلَ: إنَّ النّواسخ تدخل على الأسماء لا على الجملة الاسميّة، قيل: الصّواب أنَّها تدخل على الجملة الاسميّة لا على الأسماء؛ ففي قولنا: (محمّدًا أكرمْتُ) ، وفي قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) كلّ من (محمّدًا) و (إيّاك) مفعول به مقدّم، والجملتان فعليّتانِ، ولا يصحّ إدخال النّواسخ عليهما، مع أنّهما اسمان؛ فلا تقول: (إنَّ محمّدًا أكرمتُ) ، ولا: (إنّك نعبدُ وإنّك نستعين) ، فلو كان قولنا: (محمّد يحضر) جملة فعليّة كما أنَّ قولنا: (محمّدًا أكرمْتُ) جملة فعليّة، لامتَنَعَ إدخال النّواسخ عليها كما امتنع في جملة المفعول.
ثمّ إنَّهُ لا يتأتّى ما قاله برجشتراسر في نحو قولنا: (محمّد حَضَرَ أخوه) ؛ فإنَّ جملة (حَضَرَ أخوه) فعليّة، وأمَّا الجملة الكبرى فهي اسميّة وليست فعليّة، لأنَّ مسندها جملةٌ وليسَ فعلًا؛ فإنَّ الفعلَ مسندٌ إلى الأخ، وليسَ مسندًا إلى (محمّد) [3] .
قال القرافيّ: «الفرق ... بين الخبر والإنشاء من أربعة أوجه؛ الوجه الأوّل: أنَّ الإنشاءَ سببٌ لمدلوله، والخبر ليس سببًا لمدلوله؛ فإنَّ العقود أسباب لمدلولاتها ومتعلَّقاتها، بخلاف الأخبار.
(1) ينظر: في النّحو العربيّ نقد وتوجيه: 42.
(2) التطور النّحويّ للّغة العربيّة: 125.
(3) ينظر: الجملة العربيّة تأليفها وأقسامها: 159.