وقد توسَّلَ القرافيّ ببعض الفروق اللّغويّة لإيضاح الفروق الفقهيّة والأُصوليّة الواردة في كتاب (الإحكام) ، ومن أمثلتها: الفرق بين الإنشاء والخبر [1] ، والفرق بين أزمنة الفِعل، وأنَّ كلّ صيغةٍ مختصّةٌ بدلالة تؤدّي وظيفةً فقهيّة معيّنةً [2] .
فالكتاب - بهذا الاستمداد المتبادَل بين الفروق اللّغويّة والفقهيّة والأُصوليّة - يُعَدُّ مثالًا جيدًا للمنهجيّة المتميِّزةِ في تناول الفروق عند القرافيّ.
ألَّفَ القرافيّ هذا الكتابَ بعد كتاب (الذخيرة) ؛ فقد وَرَدَ ذِكْرُ هذا الأخيرِ في (الاستغناء) [3] ، ولكنَّهُ ليسَ من كُتُبِهِ المتأخِّرةِ جدًّا؛ إذ إنَّهُ ذُكِرَ في بعض مؤلَّفاته الأُخرى، مثل: (شرح تنقيح الفصول) [4] ، و (العِقْد المنظوم في الخصوص والعموم) [5] ، و (أنوار البروق في أنواء الفروق) [6] .
وكتاب (الاستغناء) مطبوع سنَةَ 1402 هـ/1982 م، في مجلَّد واحد ضخم، بتحقيق الدكتور طه محسن، في ضمن مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الدّينيّة في بغداد، في سلسلة إحياء التّراث الإسلاميّ.
وهو كتاب قَيِّمٌ، تناول فيه القرافيّ كلّ ما يتعلّق بالاستثناء من المباحث النّحويّة واللغويّة والأُصوليّة والفقهيّة، وأوْرَدَ فيه مباحِثَ جليلةً لا توجَدُ في غيره مجتمعةً، وله فيه آراء قَيِّمةٌ تدل على تضلّعه في علوم اللُّغة بمختلف أنواعها. ويمثِّل الكتابُ صورة طَيِّبةً للتلازم الوثيق بين علوم اللُّغة والفقه والأُصول، وغيرها من العلوم المساعِدَة؛ فقد «حاول المؤلِّف أن يفيدَ في (الاستغناء) من ثقافته العلميّة ... ؛ فإلى جانب مباحث النّحو التي كَوَّنَتْ مُعظمَ الكتابِ، نجد مسائل اللُّغة، والصّرف،
(1) ينظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: 48 - 49.
(2) ينظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: 53 - 54.
(3) ينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء: 704.
(4) ينظر: 246.
(5) ينظر: 2/ 138.
(6) ينظر: 3/ 967.