ألَّفَ القرافيّ هذا الكتابَ بعدَ كتاب (الأُمنيَّة في إدراك النيّة) الذي جاءَ ذِكْرُهُ فيه [1] ، وقَبْلَ كتاب (أنوار البروق في أنواء الفروق) الذي أشار فيه إلى (الإحكام) [2] .
وكتاب (الإحكام) متوسِّط الحجم في جزء واحد، مطبوع سنةَ 1387 هـ/1967 م، بتحقيق عبد الفتاح أبو غُدّة، ونَشَرَهُ مكتب المطبوعات الإسلاميّة في حَلَب.
وتُطِلُّ النزعة الفروقيّة للقرافيّ برأسها في حديثه في فاتحة الكتاب عن سبب تأليفه؛ إذ قال: «قد وَقَعَ بيني وبينَ الفضلاء - مع تطاول الأيّام - مباحثُ في أمْرِ الفرق بين الفتيا التي تبقى معها فتيا المخالف، وبينَ الحُكم الذي لا يَنْقُضُه المخالفُ، وبين تصرفات الحُكّامِ وتصرفات الأئمّة ... ، والفرق بين الفُتيا والحكم ... ، وما حقيقةُ الحكم الذي يُنْقَضُ والحُكم الذي لا يُنْقَضُ، وهل هو نفسانيّ أم لسانيّ، وهل هو إخبار أم إنشاء؟، ونظائر هذه المسائل كثير، يقع السؤال عنها، فلا يوجَدُ مَن يجيبُ عن ذلك مُحَرَّرًا. فأردتُ أن أضَعَ هذا الكتابَ مشتملًا على تحرير هذه المطالب، وأُورِدُها أسئلةً كما وَقَعَتْ بيني وبينَهم، ويكون جوابُ كلّ سؤالٍ عَقيبَهُ، وأُنبِّهُ على غوامض تلك المواضِعِ، وفروعها في الأحكام والفتاوى وتصرّفات الأئمّة، وسمَّيْتُ هذا الكتابَ: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرّفات القاضي والإمام ... ، وعَدَدُ الأسئلة أربعون سؤالًا.» [3] .
وأظنُّ أنَّ هذه المقدّمة لا تُحْوِجُ إلى الاستكناه والاستنتاج؛ فقد صَرَّحَ القرافيّ فيها بأنَّ كتابهُ قائم على الفروق بين بعض المفاهيم والقواعد الأُصوليّة والفقهيّة المشتَبِهِ بعضُها ببعض، إلى درجةٍ لم يَعُد الكثيرُ من الناسِ معها قادرًا على استبانةِ الحقّ وتمييز الحُجّة.
ونستطيع أن نلمح الصلة الوثيقةَ بين مضمون هذا الكتاب ومضمون كتاب القرافيّ الآخر (أنوار البروق في أنواء الفروق) بنظرةٍ سريعةٍ في العنوانات الرئيسة في (الإحكام) ، وتلك التي تقابِلُها في الكتاب الآخَر.
(1) ينظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: 61.
(2) ينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق: 1/ 72.
(3) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: 18 - 19.