إلى هذين النّوعين ... وهذه فروق بحَسَب كلّ واحدة منها على حدتها. والفرقُ بينَ التّخييرِ والإباحةِ والثّلاثةِ الباقيةِ: أنَّ الثّلاثةَ الأخيرةَ لا تكونُ إلاّ في الخَبَر، والتّخيير والإباحة لا يكونانِ إلاّ في الأمرِ، فهذا فرق عامّ، والفروقُ الأُوَلُ خاصّة.» [1] .
وقد ذَكَرَ المالقيّ (702 هـ) هذه الأقسام، وزاد الفرقَ بين التي للإبهام والّتي للشّكّ وضوحًا بقوله: «والفرق بينهما أنَّ الشّكّ لا يَعْلَمُهُ المُخْبِر، والإبهام يعلمه ويُبْهِمُ على السّامع لمعنًى ما.» [2] ، وذَكَرَ نحوًا من ذلك المراديُّ (749 هـ) [3] ، وابنُ هشام (761 هـ) [4] .
-الفرق بين: (إيهَ) ، و (إيهًا) ، و (إيهِ) و (إيهٍ) :-
قال القرافيّ: «لم تلتزم العربُ فيها [5] بناءً معيّنًا، نحو: (إيهَ) - بفتح الهاء -، معناه: اسكتْ، فإن نَوَّنّاهُ كان نهيًا عن الحديث مطلقًا، الذي كان فيه وغيرِهِ، فيحصلُ فيه العمومُ من وجهين؛ الأوّلُ: أنَّ أصلَ النّهي للتّكرار، فيَعُمُّ هذه الأزمان؛ والثّاني: أنَّهُ يَشْمَلُ جميعَ أنواع الحديث، فيعمّ تركَها كلِّها مع عموم الأزمان. وإن لم يُنَوِّنْهُ، قال أئمّةُ اللُّغة: معناه: اسكُتْ عن هذا الحديثِ فقط، فيعمُّ الأزمنةَ كما يعمّه النّهي. ولفظ (اسكُتْ) ، وإن كان أمرًا لا نهيًا، غير أنَّ النّهي متى عُبِّرَ عنه بلفظِ أمرٍ معناه النّهيُ كانت أحكامُ النّهي ثابتةً له، نحو: اترُكِ السّرقةَ؛ فإنَّ هذا اللّفظ مساوٍ للفظ: لا تسرقْ، لغةً.
و (إيهِ) - بكسر الهاء -، قال أئمّة اللُّغة: معناه: حَدِّثْ، وهو أمرٌ بالحديث، عكس مفتوح الهاء، ثمّ إن نَوَّنّاهُ كان معناه: حَدِّثْ من هذا الحديث أو مِن غيرِه، وهو
(1) شرح تنقيح الفصول (في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه) : 105 - 106.
(2) رصف المباني في شرح حروف المعاني: 132.
(3) ينظر: الجنى الدّاني في حروف المعاني: 228.
(4) ينظر: مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 131 - 143.
(5) أي في أسماء الأوامر والنّواهي.