فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 462

الدّلاليّينِ الثانويّينِ، مبقيةً على الدّلالة الأصليّة فقط، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ممّا تَعُدُّونَ} (الحج: 47) ، والله أعلم.

وأمَّا لفظُ (العام) ، فهو مَصْدَرٌ كالعَوْمِ، وسُمِّيَ به هذا المقدار من الزّمان لأنّه عَوْمَة من الشّمسِ في الفَلَكِ. والعَوْمُ كالسَّبْحِ؛ لأنَّ الأفلاكَ تجري وتَسْبَحُ في بُرْجِها، كما قال تعالى: {كلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (الأنبياء: 33) ، فالعامُ - على هذا - كالقَوْلِ والقالِ، وقالت العربُ: عاوَمَهُ مُعاوَمَةً وعِوامًا، عامَلَهُ بالعام أو استَأْجَرَهُ قَدْرَ عامٍ، وكما قالت: سانَهَتِ النّخلةُ، قالت أيضًا: عاوَمَتْ، بمعنى حَمَلَتْ عامًا ولم تَحْمِلْ آخَرَ [1] .

وثمةَ موضعٌ آخَرُ في القرآن الكريم اجتمع فيه لفظا (السنة) ، و (العام) ، وذَكَرَ فيه أهل العِلْمِ ما يُقَوّي ما ذكَرَهُ القرافيّ من استعمال السَّنَة في المَكارِهِ، والعام في الخَيْرِ، وهو قولُهُ تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (العنكبوت: 14) ؛ ففي «كونِ المستثنى منه بلفظِ (السَّنَةِ) ، والمستثنى بلفظ (العامّ) لطيفةٌ حسنةٌ؛ وهو أنَّ هذه الخمسينَ بقاؤُهُ بعدَ هلاكِ قومِهِ، فهي أعوامُ خيرٍ، حيثُ هَلَكَ الكَفَرَةُ المُتَمرِّدَةُ.» [2] .

ل. الفرق بين:(دَعَا)، و(صَلّى):-

قال القرافيّ: «أئمة اللغة قالوا: (صَلّى) و (دَعا) مترادفان؛ مع أنَّهُ يجوز أن يقول: صَلّى عليه؛ فيركّب (صَلّى) مع لفظ (على) في طلب الخير للمدعُوِّ له، ولو ركّبتَ (دعا) مع (على) في طلب الخير، فقلتَ: دَعَا عليه، لم يصحّ، وانعكس المعنى للشَّرِّ.» [3] .

ويُمَثِّلُ هذا الفرقُ في معالجته الفريدةِ سبقًا للأُصوليينَ وتناولًا بَذّوا بِهِ المعاصرينَ من علماء اللغة الذين اتخذوا مقياسًا للكشف عن الألفاظ المترادفة، أطلقوا عليه (الاستبداليّة) أو (الاستعاضة) ، ويقوم على إبدال الكلمة بمرادفتها في النصّ

(1) ينظر: الزمان الدّلاليّ: 138.

(2) عُمدةُ الحُفَّاظِ في تفسير أشرف الألفاظ: 3/ 1848.

(3) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في إقامة أحَد المترادفَينِ مقام الآخر) : 2/ 722.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت