اللُّغويّ. وبَلَغَ من عنايتهم بهذا المقياس أن بَنَوا عليه تعريف الألفاظ المترادفة؛ فقالوا في حَدِّها: هي الكلمات المتّحدة في المعنى، والقابلة للتبادل فيما بينها في أيِّ سياق [1] ، وعلى هذا المقياس، لا يصحّ القول بترادف (صَلّى) و (دعا) ترادفًا تامًّا، على الرّغم من اشتراكهما في أصل المعنى، لعدم صحّة حلول إحدى الكلمتين محلّ الأُخرى في كلّ سِياقٍ لغويٍ، وتقارُبُهما في أصل المعنى مُتَأتٍّ - عندي - من أنَّ أصل مادّة (دعا) هو: «أن تُميلَ الشيءَ إليكَ بصوتٍ وكلامٍ يكون منك» [2] ، وأصل (الصّلاة) : الإقبال على الشيء؛ فيُقال للفَرَس المُتَّصِل بالسّابق: المُصَلّي، وللجالس حَوْل النارِ بقربها: الصّالي، وكذلك لمن دَخَل في حَرِّها [3] ، فاشتركا في أصل الميل والقربِ من الشيء، إلاّ أنَّ الدّعاءَ هو إمالةٌ للشيءِ وجَعْلُهُ يُقْبِلُ نحونا، والصلاةُ مَيْلٌ مِنّا نحوه وإقبالنا عليه. وَلَعَلَّ ممّا يسلِّط الضوءَ على العَلاقة الوثيقة بين الكلمتينِ منذ القِدم قولَ بعضِ أهل العلم إنَّ (الصّلاةَ) جاءَت في الكلدانيّة بمعنى الدّعاء والتضرّع [4] .
وعلى الرّغم من تقارب الكلمتين في أصل المعنى، اختلفتا في عَدَم إمكان إحلال إحداهما محلَّ الأُخرى في السياق اللُّغويّ الذي ذكره القرافيّ؛ فالفعل (صَلّى) إذا تعدى بـ (على) أفادَ الترحُّمَ والعطفَ، كما في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة: 103) [5] . أمَّا تعدية الفعل (دعا) بـ (على) فأكثر ما تجيءُ في الشَّرِّ؛ ومنه: دعا عليه، وتداعَت عليكم القبائل من كلّ جانب: اجتمعت عليكم، وتألَّبَتْ بالعداوة، وفي الحديث: «تداعى عليكم الأُمَمُ كما تَداعى الأكَلَةُ على قَصْعَتِها» [6] [7] .
(1) ينظر: الدراسات اللّغويّة والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية: 263 - 264.
(2) معجم مقاييس اللُّغة: 2/ 278.
(3) ينظر: مفردات القرآن للفراهي: 209 - 210.
(4) ينظر: مفردات القرآن للفراهي: 210.
(5) ينظر: الكشاف: 3/ 89.
(6) روى هذا الحديثَ أبو داود (275 هـ) في سُننه (الحديث رقم 4297) ، ونَصُّهُ عنده: «يوشِكُ الأُمَمُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكَلَةُ إلى قَصْعَتِها» .
(7) ينظر: الأخطاء الشائعة في استعمالات حروف الجر: 66.