قال القرافيّ: «الفرق بين السِّنَة، والغَفْوة، والنَّوم: أنَّ الأبخِرةَ متصاعدة على الدوام في الجسد إلى الدماغ، فمتى صادَفَت منه فتورًا أو إعياءً استولت عليه، وهو معدن الحس والحركة، فيحصل فيه فتور وهو السِّنَة، فإن عَمَّ الاستيلاءُ حاسةَ البصر فهو غَفْوة، وإن عَمَّ جميعَ الجَسَدِ فهو نوم مُسْتَثْقَلٌ. والأوَّلانِ لا وُضوءَ فيهما» [1] .
كان الأولى بالقرافيّ أن يَلْجَأَ إلى معيار لغوي لبيان الفرق هنا، لا إلى معيار بعيد عن طبيعة اللغة وما يمكن أن تُسْعِفَ به في هذا الشأن. ولعل الرجوع إلى الأُصول الاشتقاقية للمواد الثلاث يلقي بعض الضوء الكاشف؛ فالنون والواو والميم: «أصل صحيح يدل على جمودٍ وسكونِ حركة ... ، ويستعيرون منه:
نامت السوق: كَسَدَتْ، و: نامَ الثَّوبُ: أخْلَقَ.» [2] .
أمَّا السِّنَةُ فهي النعاسُ، وكذا الوَسَنُ [3] . وعلى هذا، إذا كان النومُ جمودًا وسكونًا، فإنّ السِّنَةَ تُمثِّلُ مَبْدَأ الجمود والسكون، فهي مُقَدِّمَةُ النومِ ومَبْدَؤهُ.
ويَدُلُّ على كون السِّنَة مَبدأ النوم قولُ الشاعر:
وَسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... في جَفْنِهِ سِنَةٌ وليسَ بنائِمِ [4]
وأمَّا الغَفْوَة، فقد ساوى بعضهم بينها وبين السِّنَةَ ولم يفرقوا بينهما، غيرَ أنَّ استنباءَ أصل المعنى الاشتقاقي قد يقودنا إلى بعض معالم الفرق بينهما. ومن أبدع ما رأيتُ في هذا الشأن الالتفاتةُ الذكية لابن فارس (395 هـ) ؛ إذ أتى بكلمة (غَفَلَ) ذاكرًا أنَّها تدل على تَرْكِ الشيء سهوًا، وربَّما كان عن عَمْدٍ، ثم أتى بَعْدَها بالـ (الغَينِ والفاء والحرف المعتلّ) قائلًا عنه: «كأنَّهُ يَدُل على مِثْلِ ما دَلَّ عليه الأوّلُ من التَّركِ للشيءِ، إلاّ أنَّ هذا يَختصُّ بأنَّهُ جِنْسٌ من النومِ ... ، من ذلك: الغَفْوُ، وهي: الزُّبْيَة؛
(1) الذّخيرة (كتاب الطهارة) : 1/ 232.
(2) معجم مقاييس اللُّغة: 5/ 372 - 373.
(3) ينظر: معجم مقاييس اللُّغة: 6/ 111.
(4) ينظر: عُمْدَة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 4/ 2852.