بالمتحرّكينَ إلاّ المتحرّكينَ، فترفع صفة الحركة من موصوفها بجملته، وتركتَهم غيرَ موصوفينَ بالحركة، فتَعَيَّنَ أن يكونوا موصوفين بالسكون، فآل الأمر إلى إخبارك عن المرور بالساكنين، وكأنّك ذكرتَ أوّلًا الذين تَعْرِضُ لهم الحركةُ مع الحركة، واستثنيتَ الحركةَ وبقي الذي تَعْرِضُ له الحركةُ وحدَه مع ضدّ الصّفة المستثناة، ويكون ذلك نظيرَ قولِك: مررتُ بأخويكَ إلاّ زيدًا؛ ذكرتَ اثنين واستثنيتَ أحدهما، فبقي الآخر. فهذا تلخيص الفرق بين الاستثناء من الصّفة وبين الاستثناء من الحكم في هذا المقام.» [1] .
نَقَلَ القرافيّ عن فخر الدّين الرّازيّ (606 هـ) قوله: «إنَّ الفرق بينَهُ [2] وبين التّخصيص فَرْقُ ما بينَ الخاصّ والعامّ، وإنَّ الاستثناء أخصّ من جهة اشتراط الاتِّصال فيه، دون التّخصيص.» [3] .
ويقصد الرّازيّ إلى إيضاح أنَّ أحد قسْمَي التّخصيص لا يُشْتَرَطُ فيه الاتّصال، وهو التّخصيص المنفصل، أمَّا قِسْمُهُ الآخر، وهو التّخصيص المتَّصل، فيشاركُ الاستثناءَ في اشتراط الاتّصال.
وقد فَرقَ القرافيّ بين التّخصيص والاستثناء بثلاثة أوجه؛ فقال: «الاستثناء مع المستثنى منه كاللّفظة الواحدة الدّالّة على شيء واحد، ولا يَثْبُتُ بالقرينة الحاليَّة، ولا يجوز تأخيرُهُ، بخلاف التّخصيص.» [4] .
ثم أخذ القرافيّ يُفَصِّل القول في كلّ فرقٍ من الفروق الثّلاثة، مبتدئًا بالفرق الأوّل؛ وهو أنَّ «الاستثناء مع المستثنى منه كاللّفظة الواحدة الدّالّة على الشّيء
(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في الاستثناء من الصّفات) : 582.
(2) أي بين الاستثناء.
(3) العِقْدُ المنظوم في الخصوص والعموم (في الفرق بين التّخصيص والنّسخ والاستثناء) : 2/ 87. وينظر: المحصول في علم أُصول الفقه: ج 1/ق 3/ 11.
(4) شرح تنقيح الفصول (في الفرق بين التّخصيص وبين النّسخ والاستثناء) : 230.