والآخر: تركيبٌ من جهة اللّفظ والمعنى - وهو المقصود هنا: نحو: حَضْرَمَوت، ومَعْديكرِب، ونحوهما من الأعلام المركّبة، فذكَرَ ابنُ يعيشَ أنَّ الأصل فيها الواوُ أيضًا؛ حُذِفَت من اللّفظ، ولكنّها لم تُرَدْ من جهة المعنى، بل مُزِجَ الاسمانِ، وصارا اسمًا واحدًا بإزاءِ حقيقة، ولم ينفرد الاسم الثاني بشيءٍ من معناه، فكان كالمفرد غير المركّب؛ فبُنيَ الاسمُ الأوّلُ، لأنّه كالصدر من عجز الكلمة، وجزء الكلمة لا يُعْرَب، وأُعْرِبَ الثّاني، لأنّه لا يتضمّن معنى الحرف [1] .
نَقَلَ القرافيّ عن الفخر الرّازيّ (606 هـ) أنَّ بعضَ الأُصوليّينَ عَرَّفَ الكلامَ بأنَّهُ: المنتَظِمُ من الحروف المسموعة المتميّزة المُتواضَعِ عليها، وذَكَرَ الرّازيّ أنَّ قولنا: (من الحروف) احتُرزَ به عن الحرف الواحد، لِقول أهل اللُّغة: أقَلّ الكلامِ حرفانِ؛ إمَّا ظاهرًا، وإمَّا في الأصل؛ كقولنا: قِ، شِ، عِ؛ فإنَّهُ كان في الأصل: قِي، وشِي، وعِي، ولهذا يُرْجَع في التّثنية إليه، فيقال: قِيا، شِيا، عِيا. ثُمّ ذَكَرَ الرّازيّ أنَّ الحَدَّ السّابق للكلام يقتضي أمرين؛ أحدهما: كونُ الكلمةِ المفردةِ كلامًا، وعَزَاه الرّازيّ إلى الأُصوليّين، ولكن النّحاةَ - على قوله - أجمعوا على فساد ذلك قائلين: إنَّ لفظ (الكلام) مخصوص بالجملة المفيدة، وقولُ أهلِ اللُّغة في المباحث اللّغويّة راجحٌ على قولِ غيرِهم. والآخَر: أنَّ قولنا: (أقَلُّ الكلامِ حَرْفان؛ إمّا ظاهرًا، أو في الأصْل) يُشْكِلُ بلام التّمليك، وباء الإلصاق، وفاء التّعقيب؛ فإنّها أنواع الحرف الذي هو قسيمُ الاسم، وكلّ حرف كلمة، وكلّ كلمة كلام، مع أنَّها غير مُرَكَّبة. ثم قال الرّازيّ: «فإن قُلْتَ: الحركة في الحقيقة حرف، فإذا ضُمَّت الحركة إلى الحرف كان المجموع مُركّبًا. قُلْتُ: هذا - على بُعْدِهِ - لو قبلناه، بقي الإشكال بالياء مِن: (غُلامِي) ، ونون التنوين، ولام التّعريف؛ فإنَّها حروف مفردة خالية عن الحركات، وهي مفيدة.» .
(1) ينظر: شرح المُفَصّل: 3/ 144.