ثم ذَكَرَ الرّازيّ أنَّ الأَولى مساعدةُ أهل النّحو، فَتُعَرَّف الكلمةُ بأنّها: (كلّ مَنطوقٍ بِهِ دَلَّ بالاصطلاح على معنًى) ؛ فهذا يتناول الحرف الخالي من الحركة، والحرف المتحرّك، والمركّب من الحروف، ويُعَرَّف الكلام بأنَّهُ: (الجملة المفيدة) [1] .
وقد اعترضَ القرافيّ على ما ذكره الرّازيّ بجملةِ اعتراضاتٍ؛ فَذَكَر أنَّ قوله: (هذا يقتضي أنْ تكون الكلمة المفردة كلامًا) ممنوع؛ بل بعضُ ما هو كلمةٌ كلامٌ؛ فإنَّ من جملة الكلمات حروف المعاني البسيطة، نحو: كاف التّشبيه، ولام التّمليك، ونحوُهُما غيرُ مندرجٍ في الحَدِّ المذكور، لاشتراطه تعدُّدَ الحروف. ثم اعتَرَضَ على قوله: (أجمعَ النّحاة على فساده ... الخ) ، بأنَّ هذا الكلامَ يُشْعِرُ بأنّ كلا التفسيرين - أي إنَّ الكلمة المفردةَ يُمكنُ أن تكون كلامًا، أو إنَّ الكلام مخصوص بالجملة المفيدة - أُريدَ به الكلام اللُّغويّ، لقوله: (في المباحث اللّغويّة) ، مع أنَّ أكثر النّحاة يقولون: إنَّ قول النّحاة: (إنَّ الكلامَ هو الجملة المفيدة) هو حَدٌّ اصطلاحيٌّ لا لغويٌّ، فحينئذٍ لا تَعارُضَ بين التّفسيرين؛ فإنَّ النّحاةَ اصطلحوا اصطلاحًا لأنفسهم، ولم يتعرّضوا لفساد الاصطلاح اللُّغويّ، مع أنَّ بعض النّحاة يذكر التفسيرين للمسمّى اللُّغويّ، محتجًّا بأنّ الكَلام مشتقّ من الكِلام - بكسر الكاف - التي هي الجِراح، ووجه الاشتقاق: أنَّ الجِراحَ منها ضارٌّ كالجِراحِ المُفْسِدَة، ونافِعٌ كالفِصاد عند الحاجة، وكذلك الكَلاَمُ؛ منه نافعٌ سارٌّ، ومنه مؤذٍ ضارٌّ.
ثم اعترض القرافيّ على تعريفه الكلمةَ بأنّها (كلّ منطوقٍ بِهِ دَلَّ بالاصطلاح على معنًى) ، لاقتضائه اندراجَ (الكلام) في حدّ الكلمة؛ لأنَّ الجملة المفيدة منطوق به دلّ بالاصطلاح على معنًى. كما اعترض على تعريفه الكلامَ بالجملة المفيدة، بأنّ الجملة عند النّحاة أخصّ من الكَلاَم؛ فإنَّ الكلامَ قد يكون بِجُمَلٍ كثيرةٍ، وقد يكون بجملة واحدة [2] .
وقول القرافيّ بالفرق بين (الكلام) اللُّغويّ، و (الكلام) الاصطلاحيّ: هو ما عليه النّحاةُ - كما قال -، ويدلّ عليه قولُ ابن مالك (672 هـ) في ألفيّته:
(1) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في البحث عن ماهية الكلام) : 1/ 433 - 434، و: المحصول في علم أُصول الفقه: ج 1/ق 1/ 236 - 240.
(2) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 1/ 442 - 445.